سارة سليم

(كاتبة جزائرية)


تقول كورنيليا فونك: "تكون الكتب ثقيلة لأنّ العالم كلّه بداخلها". ولا ريب أنّ رام الله -الرواية- ثقيلة لأنّ رام الله -المدينة- بكلّ ما تحمله من تاريخ داخلَها ثقيلة كذلك، فالتحدث عن هذه الرواية يذكّرني بأغنية "يا الرواي" لسعاد ماسي: "يا الرواي احْكِ حكاية ماذا بيك تكون رواية".

فلكلّ شخصية من رواية "رام الله" (دار المتوسط، 2021) حكاية تصلح لأن تكون وحدها رواية، بدءاً بـ"موسى الشلبي" وموته بالحياة موتات متعددة؛ بالسقوط، بالغيبوبة، بعدم نسب ابنه، بمحاولة إنكار "نعمة" حقيقةَ نَسب "سالم" وشكّ أخيها "خليل" في كون "سالم" ليس أخاً عادياً، إذْ كان يحتال على أسئلته على حدّ تعبير الكاتب.

كلّ هذا يُدخلنا في إسقاطات عدّة، بدايةً من تشكّل أزمة الهوية ما قبل النكبة، وصولاً إلى "عماد العايش" ومعاناته لفقد زوجته "ريما" وأخواتها والمصور "غسان عياد". كلّ هذه إحالات تحاولُ الرواية أن تجيب عن بعض أسئلتها المتعلّقة بفلسطين ما قبل النكبة إلى اللحظة الراهنة، فالكاتب عبّاد يحيى أعطى صورة كاملة وأعاد إحياء المشهد كله، متحدثاً عن العثمانيين: "العثمانيون يدخلون القرن العشرين لاهثين على خطّين من حديد". وعن الإنجليز وأهل البلد الثائرين: "في الليل نخشى من صلاتنا مع الإنجليز، وفي النهار نخشى من صلاتنا مع أهل البلد الثائرين، حتى إنّنا نُبدّل ملابسنا بحسب من يسيطر على البلد".

فرواية "رام الله" تنطلق من واقع حقيقي يقودنا إلى واقع متخيّل، وما بين ماضي الواقع المتخيّل وحاضره من جهة، وماضي الواقع الحقيقي وحاضره من جهة أخرى، نجد أنفسنا أمام واقع تفرضه الرواية نفسها، ولا ينتمي إلّا إليها، إذ إنّ المطالع لـ"رام الله" لا يمكنه ببساطة أن يقرأها مُجزأة، بل بوصفها نصاً متكاملاً لا يخضع لتصنيف معيّن، إلّا للرواية، ما يحيلنا إلى قول عبد الفتاح كيليطو: "تستوعبهم الرواية".

فالرواية بالنسبة لعبّاد يحيى مدينة قائمة بذاتها، يمكن أن تستوعب كلّ شيء دون تأطيرها وفقاً لسياق معيّن، وهذا ما نجح فيه إلى حدٍّ بعيد، فهو لم يحاول أن يملي على نفسه شروط كتابة روايةٍ ضمن تقليد معيّن، وكل ما فعله أنه كسر التقاليد المتعارف عليها في الكاتبة واستجاب للصوت داخله الذي كان يحرّضه، والدليل أن العمل جاء في أزيد من سبعمئة صفحة، إذ إنه لم يراهن على شيء بقدر ما راهن على "رام الله"، الرواية التي سجلتْ تاريخ المدينة واستطاعت أن تؤسس لنفسها سرديتها الخاصة التي سيحفظها التاريخ بلا شك؛ لأنها حفظته.

والمطلع على العمل يلاحظ أيضاً أن شخوص الرواية، سواءً بالماضي أو الحاضر، يحملون الهواجس نفسها تجاه الحُب، إذ جاء فيها على لسان الراوي أنه لا يمكن فهم المدينة دون الحبّ، ممّا يعني أنَّ الحُبَّ لا يمكن إلا أن يكون شكلاً من أشكال الحياة داخل المدينة "كان قدره أن يكون حبّه لريما هو عبوره لرام الله التي تحولت من صورة ببعد واحدٍ إلى مدينة قائمة".

إن للحبّ سرديته ضمن سردية المكان، فهو يُبرزه بشكل يبدو معه للمتلقي أن رام الله المكان لا يمكن إلّا أن تكون مدينة للحب وتجسيداً لملامحه من خلال طرقاتها وحواكيرها على حدّ تعبير الراوي عندما كان يتحدث عن سعاد: "يرتسم وجه سعاد علامة على سنوات تفصل بين صباه وشبابه، وعلامة على المدرسة وأوقاته فيها، وعلامة على رام الله وطرقاتها الحجرية وحواكيرها. والأهم علامة على نضجه".

بنَى عباد يحيى "رام الله" الرواية طوبة طوبة، وبثّ الحياة داخلها بكلّ ما تحمله من تغيّرات طيلة قرن من الزمن من خلال عائلة النجار، ليس وفقاً لمنطق التاريخ ولا منطق السياسة، وإنما وفقاً لمنطق الرواية التي تعبّر عن نفسها بطريقة فنية، وفي الوقت نفسه تقدم قراءة نقدية للواقع اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً: "إن كنا لن نخبرك إلا بما يمكن أن تجده في الكتب، فما نفعنا؟ إننا منذورون لحكايتنا، حكاية دار النجار، وكلّ ما انسلّ منها من حكايات وما انتسج إليها من أقدار. وحكاية دار النجار، حكاية لرام الله".

وقد اتضحت قراءة الروائي النقدية في هذه العبارة الواردة في الرواية: "إن تلك السنة كانت بمنطق الأرقام قرناً جديداً، أمّا بمنطق التاريخ فالقرن العشرون بدأ بالدم وبالنار بالحرب الكبرى".

الراوي في "رام الله" لا تمثله الشخصيات التي تعاقبت على المكان، وإنما المكان الذي شهد على حكايات من مرّوا عليه وتركوا جزءاً من ذاكرتهم فيه.

إذن، "رام الله" بالنسبة لعباد يحيى لم تكن عائلة النجار، ولا رام الله التي يعرف كلّ منا عنها ما يعرف، وإنما هي أكثر من ذلك وأوسع دلالة، لذا كلّفته جهد سنين كتابةً، وعرّف بالشخوص في هامش الرواية ليكونوا بمثابة المنارة التي تقودنا إلى رام الله كما يتوجب أن نعرف، فليس سهلاً أن تعطي لكلّ شخصية في حقبة زمنية معينة ملامحها الحقيقية وسجِلّها اللغوي دون أن تضيع منك الرواية ولا أن يفلت منك السرد، هذا ما يؤكد مجدداً أنّ عباد يحيى كان يمارس نقداً ذاتيّاً على عمله ليخرج في الأخير بالشكل الذي بين أيدينا، رواية تقدم قراءة عن رام الله، عن فلسطين قبل النكبة وبعدها وفي الحاضر، وكيف سيكون أدبيّاً الحديث عن رام الله، وكلّ هذا دون أن تخسر الرواية قدرتها على الإمتاع والإدهاش.

قراءة "رام الله" في فلسطين أو في أي بلد عربي أو سواه حول العالم، ستترك الكثير في نفسك مثلما ترك "سالم" الكثير في نفس "ماري".

يعود عباد يحيى للقول إن للحبّ قراءته الخاصة في ما يتعلق بهذا القرن من الحكايات التي ضمّتها "رام الله" الرواية عن رام الله المدينة، إذ إنّ هناك عبارة في هذا الصدد تنطوي على تأويلاتها الخاصة: "كأنها أقفلت القرن العشرين خلفها، وُلد سالم في مفتتحه، ولم تمت إلا حين أوصدته".

هذه الرواية ليست تاريخية لأنها تعيد تأريخ رام الله سرداً، ولا تندرج ضمن أدب المدن لأنها ترصد حكاية مدينة رام الله من خلال بيت النجار الذي تعاقبت عليه أجيال وأجيال انطلاقاً من "بطرس" وزوجته "هيلانة" إلى "موسى الشلبي" وزوجته، وصولاً إلى "عماد العايش"، وليست أيضاً رواية اجتماعية لأنها ترصد تحولات مجتمع ضمن قرن من الزمن. ببساطة، هي رواية تقول ما يجب أن يقوله الأدب الجيد الذي لا يحصر نفسه في زاوية معينة، بل ينطلق حُراً دون تقييد.

هكذا وُلدت رام الله حُرة كأهل رام الله الذين وصفَهم الكاتب على أنهم يعاندون الزمن: "السّمة التي لن تغيب عن أهل رام الله، الرغبة في معاندة الزمن، حين يمضي زاحفاً يستعجلون، وحين تأخذه العجلة، يغريهم التمهل".

إن هاجس عباد يحيى من وراء كتابة هذه الرواية ليس تقديم عمل تقليدي يتناول فترة معينة، بل تقديم صورة كاملة لرام الله قبل النكبة وبعدها وصولاً إلى الحاضر، خاصة لما تشكّله من ثقل على الصعيدين السياسي والاقتصادي.

عباد يحيى في "رام الله" لا يبكي على الأطلال ولا يتغنّى بأمجاد الماضي بقدر ما يقدم رسالته الأدبية دون أن يعطي رأيه، بل منح شخصيات روايته الحرية في التعبير عن آرائهم، وهذا ما يعطي لهذا العمل الأدبي قوته التي تجعل منه عملاً مختلفاً، يعرّف بأهل رام الله الذي عبّر عنهم الكاتب بقوله: "إلا أنَّ أهل رام الله واصلوا ما فعلوه منذ الأزل، المُضي في الحياة".