د. نبيل حداد

(أكاديمي وناقد أردني)


قرأت مؤخراً بغير قليل من المتعة والشغف ثلاثة كتب للأديب الساخر وليد معابرة؛ الكتاب الأول: "ضمير مستتر تقديره مواطن"، والكتاب الثاني: "ذكريات خبيثة"، وقد أطلق الكاتب على نفسه في غلافه صفةً طريفة: "قاتل البحر الميت". أما الكتاب الثالث فهو؛ "أمة تنسحب من التاريخ".

بدايةً، يمكن القول إن هذه الكتب ينضوي فيها معظم الهواجس الأساسية التي ينطلق منها وبها قلم وليد معابرة، وهي الهواجس التي يمتح منها أفكاره، وتتحدد فيها مواقفه، وتترسم بها مسيرة قلمه، وتنبعث منها منطلقاته.

لعل أول هذه الهواجس؛ العدالة الاجتماعية، مع ما يستدرجه هذا الهاجس من استحقاقات قيمية؛ ورفض للفساد، وإدانة للاستخفاف بالشأن العام، وتفشي بعض الأمراض الاجتماعية، من قبيل الإشاعات، وشيوع النميمة، والوشاية، واللامبالاة، والافتقار إلى الإحساس بالمسؤولية لدى قطاع واسع من أبناء المجتمع. إنه هم الهاجس الجمعي، وليس الفردي... ولا شك أن وراء هذا القلم، ضميراً مؤرقاً، وانتماءً منزهاً عن المنطلقات الشخصية متعالياً على الأغراض الضيقة.

أما كتاب "ضمير مستتر تقديره مواطن" فقد صنفه مؤلفه على الغلاف على أنه: "قصص قصيرة ومقالات أدبية نقدية". ولئن كان مفهوم المقالة الأدبية لا يعوزه الوضوح في مادة هذا الكتاب؛ فإن مفهوم القصة القصيرة حاضر في هذا الكتاب تحديداً، ويحتاج إلى إشارة أو أكثر؛ إذ يمكن القول إن هذه القصص ربما اتسمت بطابع التهجين -إن جاز التعبير- وهذا التعبير -مع بعض التحفظ- شائع في الكتابة المعاصرة، حين نقرأ مثلاً للكاتب فلان ما يدعوه "نصاً"، أي أنه يريد أن يكون هذا النص منفتحاً على أكثر من جنس أدبي. وأكثر ما يرد هذا التعبير في تلك النصوص التي تجنح إلى "التذويت"، أي أن ذات الكاتب بوصفه مؤلفاً ظاهرة واضحة مع الاحتفاظ بالمساحة الفنية الشاسعة بين هذا اللون من الكتابة والسيرة الذاتية بمنحاها التأريخي المباشر.

أما كتاب "ذكريات خبيثة" فإنه، ودون تحفظ، جهد فريد في الكتابة في نوع أدبي طالما ضرب جذوره في تراثنا الثقافي، وأعني به فن التوقيعات، أو الأبيجرام، الذي يقوم على العبارة المكثفة والموجزة ويرمي غالباً للسخرية والهجاء، وينتهي ببراعة القفلة وإثارة الدهشة. وتاريخياً، فإن التوقيع يعني النقش على الحجر، الذي يتسم بدوره بالإيجاز والتكثيف، وقد برع في هذا الفن في العصر الحديث طه حسين نثراً في جنة الشوق، وعز الدين المناصرة في توقيعاته شعراً وغيرهما كثيرون، سواء في النثر أو في الشعر.

أما معابرة فقد حشد في "ذكريات خبيثة" مجموعة من الأبيجرامات أو التوقيعات، تستحق دراسة متأنية ومعمقة. إن "نصه" الأبيجرامي -مثلاً- المعنون بـ"وجع" ويقول فيه: "في الحوارات الوطنية؛ تجد أن جل المحاورين يشكون من ألم في الرأس... مع أنهم لا يستعملونه"، يستدرج منظومة من المعاني السياسية والمثالب الاجتماعية والتناقضات البشرية. ولو أردت أن تستشهد على صواب هذه المقولة/ الأبيجرام، أو تبني عليها تصورات تفصيلية عن واقع حياتنا، لوجدت أمامك المجال متسعاً لموضوع يمكن أن تخوض فيه بسهولة من جوانب عديدة في النقد الاجتماعي أو الشأن السياسي أو حتى التأمل الفلسفي.

على أن من أهم ما يلفت في كتاب "أمة تنسحب من التاريخ" (2020) هو تلك العتبة النصية التي وضعها المؤلف على الغلاف الخارجي وكررها في الغلاف الداخلي -بطبيعة الحال- داخل إطار، وقال فيها: "ترْكة زمن استقالت فيه الأمة من مهامها، وبدأت تحفر قبورها وتخيط أكفانها للمغادرة الإجبارية والانسحاب من التاريخ".

هذه العتبة المقولة، هي مفتاح الكتاب الذي يتكون من حوالي سبعين نصاً تجتمع فيها أشكال الكتابة اليومية السائدة اليوم كلها، من مقالة، وخاطرة، وأبيجرام. نعم؛ فكل نص في هذا الكتاب تتجه بوصلته نحو هذه الثيمة/ العتبة النصية، بما تحمله من هواجس، وتقدمه من طروحات وأفكار، وتنطوي عليه من دلالات وإشارات.

وإذا انتقلنا إلى الشكل الغالب للكتابة في هذا الكتاب، فسنلاحظ أنه شكل المقالة، بما بات مستقراً عليه من تقاليد موضوعية و"بنائية"؛ بالطول المتوسط (بالمقاييس الصحفية)، والخطاب الواضح غير الملتبس الذي يزيل الحواجز مع القارئ، وبالعنوان الذي يؤدي هدفيه الرئيسين: احتواء فكرة الموضوع وجذب اهتمام المتلقي، وبالبناء الذي لا يحكمه إلا التراوح بين بناء الهرم القائم وهو السائد في المقالة القصصية، بشكل عام، وقالب الهرم المقلوب الذي يميل إليه العرض الإخباري.

أما إذا التفتنا إلى الأسلوب، فسنجد معابرة يراوح بين الخطاب المقالي وبعض عناصر الخطاب القصصي بما يقوم عليه من حدث وما يستتعبه الحدث من حوار "هادف". وليت المجال يتسع لعرض بعض الأمثلة التطبيقية، وهي مهمة نتمنى على الباحثين ولا سيما أبناؤنا الطلبة النهوض بها. وقد تناهى إلى علمي أن إحدى طالبات الماجستير في إحدى الجامعات الحكومية جعلت من خطاب وليد معابرة موضوعاً لرسالتها وقطعت شأواً مهماً في رحلتها العلمية هذه.

وفي الجعبة الكثير مما يمكن أن يقال حول هذه التجربة، ولكنني أكتفي بالإشارة إلى أن ما يقدمه وليد معابرة يتجاوب مع إيقاع العصر، ويناسب السبل السائدة لتوصيل الرسالة في أيامنا هذه، أعني الإعلام الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي. مستعيناً بأنجع أساليب الكتابة اليومية وأنجحها؛ أعني الأسلوب الساخر.