حرصتُ شخصيًّا على متابعة كل هذا الحب، الجمال، التواصل الإنساني الذكي، منذ التخطيط للنَّشر. تلقَّيتُ الحلقة الأولى بعنوان «الحلم»، سافرتُ بين كندا وألمانيا، كأنَّني طيفٌ شبحيٌّ خارج من حكايات «ألف ليلة وليلة»، وحدَّثتني نفسي، وتساءلتُ:

"ماذا يحدث في رسائل (عبدالقادر- مقاري)؟»، فجادت الرُّؤى عن دفق لا يتوقف من فكر مشترك، يخدم هذا الإنسان، في عالم الغربة، يقوّي عصب التحدّي، يرمِّم الرُّوح، فكانت الرسالة الثانية، بعنوان غريب «البحر الحزين»، فوجدتُ بين مجاهيل البحر المتلاطم آثارًا من مفردات البشريّة التي تبادلت الأماكن، على مرّ العصور بين شاطئ وآخر، وعرفتُ كم هو مُحكم ذاك الشاطئ الشرقيّ بأسراره الروحيّة وينبوع الحضارات التي امتزجت على أرض الشرق الجميل في مصر، سوريا، فلسطين، لبنان، العراق، الأردن... وكل مسارات الحب، والعالم الجميل، بميراث غزا وعزَّز تراث البشريّة... وقلتُ للعالم الجديد وللقارّة المذهلة العجوز: إنَّها لم تكن مجرَّد رسائل أو مكاتيب تقليديّة، أي أنَّ الرِّسالة لم تُرسل لتقدِّم مفعولًا إخباريًّا فقط، كما هو العرف الأدبيّ، لكنها رسائل تنطوي على بُعد حضاريّ إنسانيّ. إنَّ الرسالة عند «عبدالقادر- مقاري»، هي «حدّوتة» قلب ينبض بالتشاركيّة، واستشراف المستقبل، ويقاوم تداعيات فيروس «كورونا» بوعي معرفي مشهود، عدا عن أنَّ الرَّسائل، بحدِّ ذاتها، جنسٌ أدبيّ، استطاع من خلاله الثنائي أن يدوِّنا يوميّات ومشاعر حقيقيّة، عبر رسالة، الشَّغف فيها مُحكم بالتجربة والفلسفة، معجون بالمحبَّة حدّ الوصول إلى مدارج الرُّوح، فنجحَتْ الكتابات، وتنوَّعَتْ؛ كانت موجزًا فكريًّا، اجتماعيًّا، يكشف عن جوانب من وقائع وأحوال العالم وتداعيات عصر دخلت عليه جائحة «كورونا» لتكشف العديد من التنبيهات والإشارات، عن حياتنا واهتماماتنا. فيضٌ ينير ولو شمعة، فكانت ثلاث شمعات.

يستفيض المرسل بلغة معاصرة، شاعرية، سلسلة، ونستطيع أن نتوقَّع ردَّ الطَّرف المقابل، فنعيش لمسة الجمْع بين الكلمة- الكتابة، والرسم- اللَّصق «الكولاجين»، الحداثة والمفاهيم التي تتراوح بين الرمزيّة والسرياليّة أحيانًا.

.. ولنقرأ!

دومًا أردِّدُها في المحافل والمنتديات، ففي الرَّسائل وضوحٌ واعٍ، تجربة اختبَرَتْ تلك الخلطة السحريّة من المعارف والفنون والثقافات وفلسفات العالم القديم والمعاصر، فهي «تجربة تراسُل» جادّة ترقى لتكوِّنَ فصولًا من قصة حياة، فلم يتوقف دفق الرَّسائل عند دلالات أو مؤثرات أو تجارب محدَّدة، بل جنحت في عشقٍ نادرٍ إلى الكتابة السحريّة، واسترسالاتها العفويّة –أحيانًا- ولكنَّها لم تنفصل عن واقعٍ مُعاشٍ، وحلمٍ إنسانيٍّ تتوارثُه الأجيالُ جيلًا وراء جيل.

(4)

..وأنتَ تقرأ، تأمَّل الرَّسائل، بثنائيّتها المُتبادلة، والتي كادت تكون مساحةً لانعكاس مرايا الإبداع والتراث والموروث الإنساني، وخلقًا إبداعيًّا حضاريًّا حقيقيًّا، يخوض تجربة الوعي والارتقاء، جعلت دلالات «الغربة» حالة إبداع، وليس حالة منفى، فاستطاع الثنائي عبدالقادر-مقاري، ضبطَ الخيال الشرقيّ الاستشراقيّ، بزمان ومكان الرِّسالة والرسم التشكيلي المبدع، بما فيه من مقاربة مهمّة جماليًّا وفلسفيًّا، مع كل نصوص الرَّسائل. كذلك فإنَّ حال «المرسَل إليه» كان مكوّنًا أساسيًّا للحالة الإبداعية العامة في الرسائل؛ فهي شخصيّة مبدعة في الكتابة والرَّسم، ما ولَّد حالة انسجام جدلي، متحرِّر الأفكار مع «المرسِل"؛ وهو ما كان يولِّد مزيدًا من الأسئلة الوجوديّة، مانحًا المراسَلات صوفيّةً سرديّةً معاصرة.

(5)

.."عندي مشروع أدبي مع الدكتورة دلال مقاري باوش مديرة معهد دراما بلا حدود في ألمانيا، أظنُّكَ تعرفها».

وأضاف حسام عبدالقادر:

"المشروع عبارة عن رسائل مُتبادلة بيننا عن الغربة».

.. رأيتُ ما يشبه الدَّعوة إلى الرَّقص(....)، الرَّقص مع قُطبَيْ العالم، وما بينهما الشَّرق الفنّان، بحسب مصطلح د.زكي نجيب محمود، فرحتُ، وتلقَّيتُ الرسالة المختصرة من حسام: «هذا الشكل الأدبي ليس جديدًا وكان يستخدم قديمًا، ولكن اندثر تقريبًا».

.. برائحةٍ نادرةٍ، هي خليط من قصب السُكَّر ووردة النيل والياسمين الدمشقيّ الأبيض، أكملتُ ليلتي في عبق بخور وعطور وتجلّيات أعادتني إلى مخطوطات عربيّة كانت تسمّى الرَّسائل، وكانت فتوحًا في المعرفة والفلسفة والحوار والتنوير، وألهمني «المرسِل» بأستاذيّته النّادرة، وتمَّ القرار، فالمشروع يُعلي روح المحبّة والسّلام والتّواصل بين الشعوب، وعشنا اللحظة؛ حسام، دلال، وكاتب السطور، وقرَّرنا أن نغلّف قلقنا، توتّرنا، بشريط من السولفان المُذهَّب، ونبدأ نشر الرَّسائل، لتصدر الحلقة الأولى في يوم الجمعة السابع من آب/ أغسطس 2020 بعنوان المسلسل «رسائل من الشاطئ الآخر».. وقدَّمَت له «الرأي":

"رسائل من الشاطئ الآخر».. هي مجموعة رسائل متبادلة بين الكاتب الصحفي المصري حسام عبدالقادر والدكتورة دلال مقاري باوش مديرة معهد دراما بلا حدود في ألمانيا.. حول هموم وقضايا مشتركة تهمّ الوطن بمفهومه الشامل، وتعبِّر عن كثير من القضايا التي تؤرِّقنا نحو وطننا، وتتحدَّث عن الغربة خارج الوطن وداخله، خاصة قضايا الهجرة والسفر والهروب عبر البحار والمحيطات لمستقبل غامض على أملٍ في غدٍ أفضل.

هذه الرَّسائل الأدبيّة لكل من حسام عبدالقادر ودلال مقاري تذكِّرنا بجنس أدبيّ افتقدناه كثيرًا وهو أدب الرَّسائل أو فن الرَّسائل والذي يُعدُّ من الفنون الأدبيّة القديمة، وهو فن نثري جميل يُظهر مقدرة الكاتب وموهبته الكتابيّة وروعة أساليبه البيانيّة القويّة. والرِّسالة نصٌّ مكتوبٌ نثرًا، يبعث به صاحبه إلى شخص ما، كما تعتبر الرسالة الأدبيّة من أهم فنون السرديات؛ حيث تخاطب الغائب وتستدرجه عبر فنيّتها ببلاغة الكلمة وقوّتها.

(6)

تبدأ في لعبة القراءة، لتكتشفَ مراحل التفكير الذاتي القائم على فهم ثنائي (عبدالقادر- مقاري) الفلسفي، للحياة في الغرب، بين ألمانيا وكندا، والمثير الحسّي في الشَّرق الفنّان، فيأتي التحوُّل المعرفي، أساسًا في في الكتابة. ذكَّرني ذلك بما أثَّر بنا إبداعيًّا ونقديًّا وحضاريًّا؛ رواية ألمانيّة مهمّة تقوم بنيتها الأساس على «الرَّسائل»، أقصد هنا رواية «آلام فرتر» للكاتب، المستشرق الألماني «يوهان فولفغانغ فون غوته»، ففي رسائله السرديّة بعدٌ إنسانيٌّ يتأقلم مع فلسفة الوجود، فتبثُّ رسائله وضعه النفسيّ والعصبيّ، وأثر ذلك في فكرِه ونظرتِه في الحياة والناس والحضارة والعمران والبيئة، عدا عن قيمتها الأدبيّة الجماليّة.

"فرتر»، هنا، في «رسائل من الشاطئ الآخر» بطل أكثر من رواية، وهو الشاعر الذي يتغنّى بجمال الشرق، والغرب، يذهلنا بالموقف من الاختلاف ورؤى التسامح والعيش المشترك وقيمة العمل الفني، الذي عُرض للناس، عبر وسيط، عين ثالثة، أو ضفّة أخرى، تُتابع إشارات وتنبيهات «الرسالة- اللوحة الكولاج» فيلتقي المدُّ الذهنيّ، عبر عصفٍ يتجلّى مع المدن العملاقة، الثلوج، الغربة، التراث، الموروث، الخوف، القلق من «كورونا» الفيروس، الرَّسائل الإلهيّة، وصولًا إلى الحلم، الاقتراب من الظِلِّ والنُّور.

يرتقي العمل من جذرٍ مُشترك، فتنبثقُ قصّةُ تفوُّقه على شكلِ رسائل مؤثّرة.

هكذا كانت دلال مقاري في ردودها على حسام عبدالقادر، لصديق، يخبرها -مترقِّبًا، منتظرًا- فيها عن تجواله واستقراره في مدينة كبيرة في كندا، هذا الكوكب فائق الحضور الحضاري، الاقتصادي، بكل دلالات الجمال، دولةٌ مال إليها قلبُه حيث التقى حلمه بالتغيير، ما يذكِّرني بـِ"شارلوت» التي وصفها «فرتر غوته» في إحدى رسائله لصديقه قائلًا: «أؤكّد لك يا صديقي العزيز، أنّ مرأى مثل هذه المخلوقة يهدّئ نفسي المضطربة عندما تكون خواطري في عنفوان جيشانها، فهي تتحرَّك في خلوّ بال داخل حدود دائرة وجودها، وتَنشد ما يسدّ حاجاتها يومًا بيوم، وعندما ترى الأوراق تتساقط، لا يثير ذلك في نفسها شيئًا سوى أنّ الشتاء على الأبواب».

وعلى أهميّة الرَّسائل في هذا الكتاب، فنحن نعتزُّ بها نتاجَ لغةٍ حضاريّةٍ، أيقونة اللغات، وما دُمنا مع «غوته»، فهو يعشق العربيّة قائلًا: «ربَّما لم يحدث في أيّ لغة هذا القدر من الانسجام، بين الروح والكلمة والخط، مثلما حدث في اللغة العربيّة، وإنَّه تناسُقٌ غريبٌ في ظلِّ جسدٍ واحدٍ».

قد يكون هذا الجسد، هو سرُّ ما في عنفوان الرَّسائل من حاجة لنبش العالم المعاصر، مسح زجاج التّحفة القديمة لتبدو أكثر ألقًا، والخوف من فيروس «كوفيد19» الذي يطال المعرفة والإعلام والبيئة والصحة والحياة الاجتماعيّة والإبداع الإنسانيّ.

في نظرة نقديّة، هناك مؤشّرات تحيلنا إلى معنى أنْ نعيشَ اللَّحظة، لنترك أثرًا في نقطةٍ ما من العالم، ليس شرطًا في كندا أو ألمانيا أو مصر أو سوريا أو أيّ مكانٍ أرضيٍّ مجرَّد،

تميل الرَّسائل إلى اتِّجاهين؛ الأدبيّ أوَّلًا، ثم الجماليّ، وما بينهما منهجيّة حضاريّة إنسانية، رؤاها تسمو نحو العاصفة (الحَدَث) والتيّار المعرفيّ (مسار التوقُّع)، وكانت الرَّسائلُ، بموضوعاتها، أجنحةً للتيّار الذي أسَّس له حسام عبدالقادر (المُرسل)، إلى دلال مقاري (المُرسَل إليه)، ما جعل اندفاع محكيّات وتأثيرات الموضوعات، تتناقش بصوتٍ مرتفع في مُواجهة هذا العصر الذي يحاول تحدِّيَ وباءٍ قاتلٍ، فيما يعالج آثاره بوسائل التواصل والعمل عن بُعد والتَّباعد الاجتماعي. وعليه، فإنَّ أهميّة قراءة هذه الرَّسائل تكمن في أنَّها تجعلنا نقف في مواجهة تيّارات اجتماعيّة واقتصاديّة وثقافيّة –أحيانًا سريّة، متطرِّفة، إرهابيّة تحاول سرقة ما تؤسس له هذه التجربة- سعيًا إلى عالم يتجمَّل بـ"عصر التنوير» بكل استحقاقاته الضروريّة لحراك الأمم والشعوب، وفتح تلك الجسور التي تنقل الحلم.

لنقرأ..

ففي قلب عبدالقادر- مقاري، فسحة تنقلنا عبْر بساط الريح، إلى حيويّة وجماليّات العمل بفكرة، نبذ مقولة الغالب والمغلوب على حدّ تعبير ابن خلدون وعلى حدّ تفكير «هنتينغتون»، في تفعيل حوار الصدام الحضاري.

(7)

تضمُّ فصول الكتاب عملًا اجتمَعَتْ عليه غزوات العقل الناقد، المحفِّز، المعرفيّ، وغزوات القلب النابض، الذي يتغنّى بالجمال والإبداع، هي فصول:

- الحلم.

- البحر الحزين.

- هاتف الساعة الخامسة.

- الوطن البديل.

- ذاكرة المكان.

- الكرة الأرضيّة وطنًا.

- غربة كورونا.

- البحث عن وطن- غربة في أبجديّة جديدة.

- الحياة في الغربة.

- عاداتنا في الغربة.

- ألوان كورونا وأوجاعها.

- الرِّسالة الضائعة.

- إدمان «السوشيال ميديا» في الغربة.

- الدَّعم النفسيّ في الغربة.. طاقة الاستمرار.

- آلام الثلوج.

- أكلاتنا في الغربة.

- رسائل من الله.

- الحياة وسط جنسيّات أخرى.

- هل تعود الأحضان؟

- كولاج ثيربي.

- رائحة السعادة.

- للطيور أيضًا هجرتها.

- نهاية العالم.

- الارتباط بالمكان وثقافته.

- إلى متى سنظلّ سجناء داخل موروثاتنا وعاداتنا؟

- العلاقة بين الألم والإبداع.

- الإنسان حيوان له تاريخ.

- ماذا فعلت بنا الأفكار؟

- ذاكرة مثقوبة.

.. في منطق الحياة إمكانيّة التحدّي، لكن ليست كلُّ التحدِّيات مُتاحة، ولا يمكن اعتبار «الغربة» تحدِّيًا للإنسان، فهي «غربة»، دالّة على التعب والنَّظر ضمن 360 درجة، لنرى تلك الشواهد المتناثرة في ذاكرتنا عن غرباء الفكر... أدعوكم إلى متعة مختلفة مع رسائل هي الآن شهادات متجدِّدة..

وأنت تقرأ.. طِر كالفراشة بين العالمين، فخير ما في الدنيا، أنْ تنتقلَ بين المشرق والمغرب... وفي الرَّواسي من السُّفن نتبيَّن اللّقاءات الخصبة التي أُجريت عبْر الأزمات والأحداث والنُّزوح واللُّجوء، تحديث شواهد أسرار الغرب مع متاهات الشرق.

* مقدمة الكتاب الذي نشر في القاهرة

عن دار غراب للنشر.