أحمد غانم عبد الجليل

(كاتب عراقي)


الحياة تشرق في عينيها الخضراوين كلما نظرتُ إليهما بين الحين والحين دون انتباهٍ منها، تتحدى سأم الانتظار المشاكس.. صفاء وجهها طفولي الملامح، يتلألأ بياضه في سطوع شمس الربيع، يبدد دفئُها البرد والرطوبة المتخللين عظامي.

كانت ترمق ساعة يدها كل برهة وتزفر ثقل الوقت الماضي دون وصول حبيبٍ (غبي) تأخر عن موعدهما، مؤكد أنه حبيب غبي ليترك مثل هذه الغادة المتفتحة تجلس في شرودٍ مثير يسكن الطاولة المقابلة في الكافيتريا التي اعتدت الانزواء فيها لبعض الوقت منذ السنوات الأولى لاستقراري هنا، تطل على منحدر جبل ينصرف بطبيعته الرحبة عن زحام المدينة وضجيج أنفاسها اللاهثة، عندما يقبل البرد يغطونها –الكافيتريا- بغطاءٍ سميك تخبطه الريح خبطاتها القوية مع زخات المطر المترامية فوق الخضرة اليانعة والأشجار متمايلة الأغصان، كما لو كانت في حفلٍ راقص، يغمر أطرافها فيض الجداول المنسابة بسرعة تحت هزيم الرعد وومض البرق الخاطف، فتنازعني رغبة التخفف من معطفي وكل ملابسي والركض عارياً، بالكاد أواري عورتي، أطارد حلم الولادة من جديد في جنبات الفردوس، أنزع عني عمراً ناهز الخمسين دون أن يثمر عن شيء، ليس أكثر من موظف مبرمَج على الأرقام، جُبل على العمل هنا وهناك حتى يواجهه يوم لا يدرك فيه سوى رقم صفر، سواء كان على شكل نقطة ختام أو حلقة بيضوية تؤطر ما تبقى لي من حياة وهشيم آمالٍ لم تتحقق، وحكايات متفرقة نهاياتها أشبه بذيول انسحاب متشرذم من جبهات القتال.. درت في حلقة هزائمها طويلاً، ولا فرق بين ما انسقت إليه مرغما وما اخترت بحماقة إرادتي، فالنتيجة واحدة الآن، ولا سبيل أمامي للرجوع إلى حياة خاوية ليس لي فيها من أفتقد ولا من يفتقدني، والذكريات سكرات حنين أفيق منها سريعاً بجرعات مشروب محلي قوي المفعول أو جسد انفضّ عنه الرجال وصار سعره في متناول اليد، يستنزف أحدنا الثاني كما لو أنه يخوض نهاية اشتباكه مع الدنيا ثم يعلن النفور أوانه. قد أجد في إحداهن، دون بحثٍ مني، بعض طيف آخر امرأة تزوجتها قبل نحو ثلاثة عشر عاماً، رأيتها في المكان نفسه، جمالها يرنو من ملامح الشابة الحسناء الجالسة أمامي، أنوثتها كانت أكثر اكتنازا، انثالت أمطارها فوق صحراء المغترب المتشبث بالسنوات الثلاثين المارقة سراعا، ذات سرعة إقبالي وتجاوبها ومن ثم إقامتنا معا في الشقة نفسها، كنت أعمل في فرع شركة استثمارية كبيرة أخذت مكان مبنى حكومي قديم اعتلته راية حمراء عقوداً، أثبتُّ وجودي في متابعة حساباتها، مسابقاً جداول الكمبيوتر، فأغدقت على سحرها الريّان كل ما أقبض، ووفرت للحياة الجديدة المتكورة في رحمها، بعد فقداني الأمل في الإنجاب واعتيادي حرمان الأبوة من ضمن ما اعتدت، لكن نبضات الجنين الكامنة في أحشائها رست في صدري حتى بعد ولادته التي لم أشهدها، هربتْ بحبلها وما ادخرتُ إلى بلاد الرخاء الحر التي أزاحتني عن أرضي إلى هذه البقعة الصغيرة المستلقية في حنايا جسد آسيا، يكاد اسمها لا يُذكر في أخبار الفضائيات، ولم تضمها خرائط اللجوء السابلة، ربما كانت قديماً ضمن ممر طريق الحرير العتيق، أو تتفرع من أحد جوانبه، أما الآن فلم تعد سوى مطمح تاجر خالي الوفاض جاء يبحث عن واحة آمنة للسلام ينزع فيها أسماله المرقعة بالرايات.

سافرتْ وخلفتني إلى حرمانٍ جديد، يحتد نزيف الأسئلة وطنين أجوبتها في رأسي، إن كانت أنجبت ولداً أم بنتا، أم إنها أجهضت قبل الرحيل لتتخفف من عبء المسؤولية في عبث حياتها الجديدة، سأراه أو أراها ذات يوم، سيعرف أحدنا الآخر.. أين سيتم ذلك اللقاء الدرامي الغريب كغربتنا؟! أي لغة ستضم حوارنا؟! أي انتماء سيجمعنا؟! أنا الأب فعلاً بإرادة إلهية أقرب إلى معجزة أبتْ ألّا تكرمني بذرية إلا بعد أن دك اليأس مقتبل العمر ومسني المشيب أم إنه وهم آخر تلذذت بخدره حتى أدمنته وصار حقيقة أريد ولا أريد الفكاك منها؟ تعوزني شجاعة المعرفة وقدرة البحث في دائرة مفرغة جديدة تغرسني في الرقم نفسه المألوف لدي.. ليلة أمس فقط أخرجتني من ظلماء قوقعته مكالمة من شابة قالت إنها صديقة أم ولدي –الهاربة. كانت في أميركا وعادت قبل يومين، أوصتها أن تقابلني لأمر مهم يخص ولدنا!

بدّد رنين الهاتف شرودي، طرق أذني ذات الصوت الناعم، يعاتب في ضيق عدم التزامي بموعدنا الذي سلبني النوم بعد مكالمتها الغريبة والأفكار والهواجس تجوب رأسي في توجس شهد شروق الشمس، ثم فاجأتني بضحكة طفولية ناعمة استفزني تلاعبها بأعصابي عند إقفالها الخط، أكملتها مَن كنت أتلصص على جلستها المتململة لدى انتقالها إلى طاولتي، انتهتْ من كركرتها بقولها إننا نسينا أن أحدنا لم يرَ الآخر من قبل فأمضى كلّ منا انتظاره المنفرد دون جدوى، جاملتها بقهقة بسيطة مغتاظة، مني ومنها، أوصلت إليها مدى تلهفي لمعرفة كل شيء عن ولدي الذي لم تذكر اسمه وأنا من هول الدهشة لم أفطن إلى السؤال إلا بعد الاتفاق على الموعد وإنهاء المكالمة المقتضبة، حديثها أيضاً كان كذلك وكل حواسي مختزلة في أذنين خاضعتين لكل كلمة تنطقها الشفتان المطليتان بحمرة غامقة، تزغردان بشرى احتضان الفتى العائد إلى أحد أوطانه مع أمه التي قررت الزواج من رجل ثري هاجر إلى أميركا منذ عقود، اشترط عليها التحرر من عبء أمومتها لابنــ... (ابني أنا) المراهق وشرقي الملامح.

سألتني عن رأيي، استغرقت في صمت الذهول حتى أفرج عن ابتسامة أخذت تتسع مثل هالات الضياء في إبكار الصبح، تهبني حلم الولادة من جديد.