أيمن المناصير

(كاتب أردني)


على باب المحكمة وسط ضجيج القضايا وأصحاب الشكايات قبّل رأسها قبلته الأخيرة وانسحب من حياتها بلا ضجيج كما تنسل شعرة من طبق عجين، هكذا بلا صخب، لقد قررا الانفصال بعد خمس سنوات من الارتباط، بعد أن اكتشفا أن البتر سيغدو حلا مثاليا لساق تعاني الغرغرينا، فقد حاولا في أكثر من مرة رأب الصدع وإعادة المياه إلى مجاريها كما يقولون، لكن الكيمياء بينهما كانت مفقودة منذ اليوم الأول على الرغم من حبّه لها حبا جنونيا، وعشقها له بلا حدود، لكنها الحياة مليئة بالتفاصيل.

ابتسمت في وجهه، وتعثرت في فمها الكلمات لكنها أصرت أن تُبقي بناءها متماسكا مع أن الريح تعصف في داخلها وتئن، فالانهيار في هذه اللحظة خط أحمر وأحد المحرمات الكبيرة، لا بد أن تظل في ذاكرته كما عهدها، هي ما تزال تحبه ومؤمنة حد اليقين بأن صورته ستتربع على عرش قلبها مدى الحياة، لكن القرب يزيد المشهد تعقيدا، فربما وجدت في الابتعاد راحة للقلب وهدوءا للنفس وفرصة لإعادة التفكير.

استقل سيارته وعينه على المرآة وكأنه يريد أن يحتفظ بآخر صورة لها في ألبومه ودفتر ذكرياته حتى توارت بعيدا مخلفة صخبا في رأسه، ودوارا بدا يعصف بذاكرته، ألم تكن طفلته التي عشقها منذ كانت في مريول المدرسة؟ ألم تكن مشاهدته لها زاده اليومي؛ كي يكمل مسيرة يومه؟ ألم تكن ابتسامتها تشعره بالنشوة والبهجة والسرور؟ ألم تكن ضحكاتها موسيقاه التي يطرب لها؟ ألم تكن فتاته وحبيبته وصديقته؟

هز رأسه بحركة دائرية وخلل يده بين شعره محاولا بعثرة الأسئلة التي تعيده إلى مربعه الأول ونقطة الصفر من جديد، مجرد التفكير بهذا الأمر سيعيد آلاما ويؤجج مشاعر، قال متصنعا التماسك: "بكل تأكيد لقد كان اتخاذ القرار صعبا"، كمن قرر في لحظة ما أن ينزع جزءا من جسده ويلقيه بعيدا عنه، لكن الرحيل رغم قسوته ربما يفتح نافذة ويعِد بحياة جديدة، لنقل إنه رحيل رحيم، رحيل يمنع الحب أن يستحيل كرها، ويسمح لقلبين بأن يعيشا حياة جديدة ويجربا تجربة مغايرة.

ثم أردف كمن يحدث نفسه: "في بعض الأحيان يكون التمسك بخيط الأمل نوعا من الانتحار، أيام العمر تمضي ثم نكتشف وبعد فوات الأوان أننا ضيعنا الكثير من فرص الرحيل التي كانت تدق أبوابنا لكننا كنا نصم عنها الآذان، ونقفل في وجهها النوافذ، بدعوى التعقل وحفظ تماسك صورة هشة تملؤها الشقوق".

دلف ممرا ضيقا يفضي به إلى مقهى في حي مكتظ بالناس، وهناك اختار طاولة قصية، وكأنه يتعمد أن يكون وحيدا وسط هذا الصخب والضجيج، لكنه مع ذلك لم يتجرأ أن يترك نفسه فريسة لوحدته، فالمكوث في مكان خال في هذه اللحظات يعد انتحارا بكل ما تحمل الكلمة من معنى، لذلك حرص أن يحافظ على هدوئه وخصوصيته وسط ضوضاء الناس وحركتهم.

طلب كوبا من الشاي وأخذ يقلب حبات السكر التي بدأت بالذوبان في قعر الكوب، لم يكن يحرك حبات السّكر وإنّما كان يحاول أن ينقل معركة صاخبة في رأسه وينقلها إلى ساحة أخرى، صورتها لا تكاد تفارق مخيلته، ترتسم له على سطح كوبه، في الحركة الدائرية لحبة سكر ذائبة، تحتل فراغا في إطار متدلّ على جدار قديم، في وجوه الأطفال الذين حزموا حقائبهم وتوجهوا نحو آمالهم، في الغيمات التي تبشر بأن الربيع على مرمى حجر.

تذكر كل حواراته التي كانت تبدأ كنسمة هواء ثم سرعان ما تستحيل عاصفة يصعب كبح جماحها، في كثير من الأحيان تكون كلماتنا كخيول جامحة سرعان ما تنفلت من لجامها، وتصبح السيطرة على مساراتها ضربا من الخيال، اعتلت الابتسامة وجهه ثم قال (متحسرا): لم يكن الأمر يستحق كل هذه الجلبة، لم يكن الأمر يستحق..

قالت: لماذا تعاملني كدمية في حياتك؟

قال (مبتسما): ألا تعلمين كم يحب الأطفال دماهم، وكم يعتنون بها؟ ألا تحبين أن تكوني دميتي الحبيبة؟

قالت: بالتأكيد لا، لأن هذه الدمية مهما كانت محبوبة ومفضلة، فإنها ستلقى الإهمال والنسيان ذات يوم، فتغدو منتهية الصلاحية.

قال مازحا: نأتي لك بدمية جديدة تسلي أيامك وتؤنس وحدتك.

لم يكن يعلم أنه خدش كرامتها، ومس منطقة محرمة عند النساء. لم تقو على نطق كلمة كانت عالقة بين شفتيها، ثم انفجرت باكية كأن لسانها لم يسعفها لترد، لم يكن يعلم أن هذه العاصفة كان يمكن تهدأ بحضن دافئ وقبلة فوق الجبين، لكنّ الرؤوس الخشنة تبالغ في تقدير ذاتها ولا تعترف بأنها أخطأت، لذلك تتسع الشقة ويصعب الفتق على الراتق.

ذاكرته تضج بحوارات ومواقف تضخمت ككرة ثلج، كان من الممكن تفتيتها ووضع عصا ثقيلة في دواليبها حتى تقف في مكانها، لكن الشيطان كان يترصد دائما ويمكث في التفاصيل ليشعل فتيل معركة، ثم نتكفل نحن بصب الزيت عليها وتأجيجها.

أخرج محفظته وتناول بعض الأوراق النقدية ووضعها في الصينية ثم غادر المكان مخلفا وراءه آلاف الأفكار التي لم تكتمل وأكمل الطريق نحو بيتها، لا يعرف لماذا، لكنه شعر أنّ من واجبه أن يطمئن ويريح ضميره وكفى، لا يطلب شيئا آخر ولا يعرف كيف قادته أقدامه إلى هنا، نظر إلى نافذة غرفتها التي تغطيها الستائر، شعر أنه أدّى واجبه وسلم الأمانة، وأزال عن كتفيه هما عظيما، ثم غادر المكان دون أن يفكر بشيء.

تناول سماعة الهاتف وأخذ يعبث بالأرقام وطلب صديقا قديما، لكنه لم يرد، حاول مرارا، تأفف من هذا الحظ العاثر، هو يحتاج أن يثرثر بأي شكل، يحتاج أن يزيل عن كاهله ثقل هذه الساعات وقسوتها، يحتاج شاة الأعمش كي يفضي لها بكل ما يجول في خاطره، يحتاج أن يتقيأ كل ما في جوفه من كلمات وهواجس دفعة واحدة ليهدأ ويستريح.

وضع رأسه على المخدة وحاول ألّا يفكر بشيء، يريد أن يترك نفسه للزمن، فهو الكفيل بترميم أجسادنا وشفاء الجروح، وتذكر بأن أصعب الأوقات هي أوقات البدايات لكن كل مرّ سيمر، وكل أيامنا ستغدو في لحظة ما مجرد ذكريات، صحيح أننا نعيش قلق اللحظة وتشظياتها وهلوساتها وجنونها، لكن كن على ثقة أنها ستغدو حدثا عابرا ذات يوم.

خاطب نفسه وقال بتوتر:

الحياة قصيرة لا تحتمل المزيد من التجارب والإخفاقات، لذلك عليك أن تكون حازما ولا تسمح للتردد أن يضيع الكثير من الوقت، لا تحمّل نفسك فوق طاقتها، لا تكن كقطار يمشي على مساره معصوب العينين، يمنح الناس الكثير من فرص الرحيل، لكنه يتجه نحو محطته الأخيرة دون أن يشكو أو يتألم، أو يبدي انزعاجا، الطريق يمنحك محطات عدة للتفكير وإعادة النظر، وعندما لا تعجبك الطريق سارع بتغيير مسارك، هذا كل ما في الأمر.

لكنّ خيالها ما زال يطارده، كلماتها تُحدث دويا في رأسه، عطرها ينتشر في الأرجاء، صورتها ما تزال معلقة على الجدار وكأنها تحدثه، أغراضها منتشرة في زوايا البيت، أدار جهاز المذياع عله يحظى بقليل من الراحة فإذا بـ "موعود معايا بالغرام موعود يا قلبي".. تزلزل كيانه من جديد، لم يقطع هذا الهذيان إلا جرس هاتفه، رفع السماعة، لم يفاجأ عندما سمع صوتها تذكّره بحبات الدواء وأماكن أوراقه المهمة والطعام الذي أعدته له وتركته في الثلاجة، ثم ألقت عليه تحية الوداع.