آخر الأسبوع - وليد سليمان

هل هناك مَنْ لايزال يلبس الطربوش الأحمر اللون على رأسه في عمَّان أو الأردن عموماً؛ رغم أنه زي تراثي قديم؟! يبدو أن تداوله بين الناس هنا أصبح قليلاً جداً.. إذ أننا قد نرى » الطربوش الأحمر الأصلي » على رؤوس بعض المشايخ مع العمامة البيضاء التي تُلف حول الطربوش.

لكن الطربوش الكرتوني المُقلد عن الأصلي والذي قد نجده عند باعة هدايا المناسبات والأفراح فهو زهيد الثمن جداً.. حيث يستعمل بقصد الزينة المؤقتة لرؤوس الأطفال أو فرق الطبول الموسيقية للأعراس.

أصل الطربوش في التاريخ

طرابيش الرأس الرجالية ظهرت في «البلاد العربية» مع بدايات «عهد» حُكم محمد علي باشا الكبير في مصر أوائل القرن 19، والذي كان تابعاً للدولة العثمانية في اسطنبول مركز الخلافة الاسلامية.. ثم انتشرت الطرابيش في بلاد الشام والمغرب العربي.

وكلمة «طربوش» مُحرَّفة عن كلمة فارسية هي (سربوش) وتعني: زينة رأس الأمير، ثم حُرّفت الكلمة إلى كلمة عثمانية هي(شربوش) أي (طربوش) حيث أصبحت شبه عمامة تلتف حول طاقية حمراء اللون من الجوخ، سطحها يتراوح بين (10-14) سم، وتعلق في وسطها شراشيب غليظة زرقاء أو سوداء تتدلى حتى العنق.

وقديماً حلَّ الطربوش النمساوي محل الطربوش العثماني الطويل.. وأطلق عليه اسم (فس FEZ) نسبة إلى مكان صناعته وهي (فيينا) عاصمة النمسا.

وكان شكل الطربوش اسطوانياً ولونه أحمر أو أبيض.. ثم حوّل الاسم إلى (فاس)، وزعموا أنه يدل على مدينة (فاس) المغربية كي يُموّه عن المسلمين منشؤه الأصلي ويرضي مشاعرهم الدينية.. بأنهم لا يستعملون بضائع الأوروبيين.

وعاش الطربوش فترة ازدهار وأصبح شعاراً قومياً بُعيد انتهاء الحرب العالمية الأولى.. بل احتل مركز الصدارة بين أغطية الرأس وأصبح لبسه كردة فعل على بعض المحاولات بإدخال القبعة الأوروبية باعتبارها لباس المستعمرين!!.

وإذا ما عدنا إلى الزمن الماضي حيث كان الأتراك يحكمون معظم البلاد العربية نجد أنّ ارتداء الطُّربُوش والعمامة عندهم انتشر أولاً بين الزعماء والسياسيين، ثم بين أفراد الشعب وخاصة الوجهاء من كبار القوم.

عالم الطرابيش في عمَّان

وبالرجوع الى كتاب (سيرة مدينة- عمان في الأربعينيات) للروائي الشهير «عبد الرحمن منيف» وهو عبارة عن ذكريات خاصة للمؤلف عاشها في عمان قديماً؛ فان هناك ما يلفت الإنتباه لتلك المعلومات النادرة حول عالم الطرابيش الرجالية، التي كان يحرص على اقتنائها وارتدائها على رؤوسهم معظم تجار وشخصيات عمان في تلك الفترة.

ومثال ذلك فان «مكتب عنبر» والذي كان بمثابة جامعة كبرى للكثيرين في بلاد الشام- كان مركزه في دمشق- أخذ يمنح خريجيه الطربوش الاحمر عدا عن الشهادة والمنصب.. لذلك فإن معظم الذين تخرجوا من هذا المكتب أو المدرسة العليا وتقلدوا مناصب مهمة في دمشق وبيروت وعمَّان وفلسطين كانوا يلبسون الطرابيش على رؤوسهم.

كبار الشخصيات في عمَّان

هذا وكان الوزراء وكبار الموظفين قد اعتمدوا الطربوش زياً رسمياً وحرصوا على ارتدائه على رؤوسهم.. ولا تزال عمان تتذكر وتبتسم حين تستعيد صور رجالاتها قبل الطربوش ثم بعد أن إرتدوه.

فعن بعض مشاهير رجالات عمَّان يقول » عبد الرحمن منيف» في مذكراته عبر سيرة عمَّان في الأربعينيات: كان أحمد الطراونة يبدو بالطربوش كأنه خائف، وأحمد اللوزي يبدو أكبر من عمره بسنوات عديدة، أما حين ارتدى رياض المفلح وفلاح المدادحة الطرابيش فلم يصدق أحد!! حتى من رأى الصور، إلى أن شاهدهم الناس حقيقة بالطرابيش.

ولم يقتصر الطربوش على ذوي الوظائف الرسمية الكبيرة وحدهم، فالكثيرون من الشوام والنوابلسة كانوا يعتبرون الطرابيش للدلالة على الموقع الاجتماعي، وللتعبير عن الأهمية أو الطموح.

الحالة النفسية والطربوش

ويوضح كاتب المذكرات عن بعض شخصيات عمَّان الأخرى بقوله: وعبد الرؤوف منكو كان يعتبر طربوشه عبئاً زائداً، لكن لا بد من ارتدائه، ولذلك حين يرتديه يتركه مسترخياً شديد الميلان على رأسه فهو بذلك يُعبرعن فلسفة كاملة في الحياة.

أما صبري الطباع فإنه كان يتعمد أن يُميِّل طربوشه بشكل مدروس، لكي لا يجعل من ينظر إليه يركز على طوله أو يكشف قصره، ومحمد الجمعان لبس الطربوش خطأً، إذ بعد أن زار القدس وصلى في الأقصى قرر أن يعود إلى عمان بالطربوش الموسوم بقطعة صفراء، وحين رآه جماعته العقيل أنكروه!! فعزَّ عليه الأمر!! مما اضطره إلى خلع الطربوش والعودة مرة أخرى إلى الحطة والعقال.

وحين يتغير وضع الطربوش على الرأس فهذا يشير إلى المزاج النفسي أو أهمية الطرف المقابل، وربما نوعية القضايا التي يجري بحثها.

فالطربوش إن كان مستقيماً وثابتاً على الرأس فله معنى... أما إذا كان مائلاً إلى الخلف فيدل على المزاج الرائق، ولا يخلو من الرغبة في التوجه أو السخرية.

وكان مدير مدارس الكلية العلمية الاسلامية في جبل عمَّان بشير الصباغ بعد ان يُشرف على تحية العلم ويدخل الطلاب؛ يستقبل بعض التلاميذ المتأخرين في الادارة، فان أزاح طربوشه الى الخلف فمعنى ذلك انه يريد أن يقدم النصح وان يكتفي باللوم والتنبيه، دون اللجوء الى الضرب.. أما اذا كان طربوشه بوضع الاستعداد فلا بد عندئذ من توقع أقصى الاحتمالات!!.

ويعقوب هاشم رغم أنه قليل العناية بملابسه وشعره، كان يعتبر الطربوش عائقاً في حل المسائل الرياضية المعقدة، لذلك كان لا يتردد في أن ينزعه عن رأسه، وعند ذاك يبدو غريب الشكل أقرب إلى الذهول! لكن المسائل الرياضية تصبح قابلة للحل السريع!.

في الصيف والشتاء

وعن تلك الأيام القديمة يقول الروائي منيف: ولا بد من التأكد هنا على الفرق بين الطربوش (الأصلي) والطربوش (الجديد)، فالأول الذي يرتديه صاحبه منذ وقت طويل وأصبح جزءاً من شخصيته، لا يمكن التخلي عنه في أغلب الأوقات صيفاً أوشتاءً.

أما الجديد فهو المُستدرك، الذي فرضته اعتبارات معينة، والذي تم ارتداؤه في وقت متأخر، الأمر الذي يجعل التخلي عنه وارداً في المناسبات الكبيرة أو الحزينة، في حالات الموت أو تقديم العزاء، أو أثناء زيارة الأهل في القرى البعيدة.

ومثلما لوضعية الطربوش على الرأس دلالة لا تخفى، فإن نوع الطربوش كان يحدد الانتماء والمستوى الاجتماعي.

طربوش نابلس وطربوش الشام

وفي المذكرات: فإن طربوش نابلس يختلف عن طربوش الشام..فقد لا يكون من المبالغة القول إن الطرابيش الشامية فرحة تتكلم، وإن كلامها مفهوم أغلب الأحيان، ليس فيما بين الشوام وحدهم، وإنما مع الآخرين أيضاً.

الزي المرافق للطربوش

وما يُلبس من زي مرافق للطربوش يختلف تبعاً للوظيفة والموقع الاجتماعي.. فالموظف مهما كان موقعه لا بد أن يلبس السترة والبنطال، وهذا هو الزي الرسمي..عدا عن الشيوخ الذين يمكن أن يلبسوا الطربوش مع القفطان.

أما الملَّاكون وأصحاب المصالح فإن الهامش أمامهم واسع، فالتجار الشوام الكبار كالطباع وبدير والبيطار وشقير وآخرين، فقد حسموا أمرهم بأن اختاروا الزي الإفرنجي–زي الأفندية–أي السترة والبنطال وبلون واحد.. أما من هم أقل ثراءً أو لا يحركهم طموح كبير فإنهم لا يأبهون لما بعد الطربوش..فقد كانوا يلبسون القمباز، وكانوا يلبسون السترة والبنطال بلون واحد أو بأكثر من لون، ولكنهم في كل الحالات يصرون على الطربوش.

عدة طرابيش

وإذا كان لصاحب الدخل المحدود طربوش واحد وفي أحسن الحالات اثنان، فللغني طرابيشه الكثيرة، والتي تتفاوت من حيث اللون والمقاييس وأوقات الاستعمال.

ومعنى ذلك أن صناعة الطرابيش كانت مزدهرة ولها أربابها، ولعل أبرز هؤلاء كان الطرابلسي في شارع الملك فيصل في عمَّان بالقرب من مكتب الاقتصادي الشهير أبو قورة.

كما كان كي الطرابيش وتنظيفها وإعادة شدها، أو صناعة الجديد منها تستهوي الأطفال، إذ يقفون لفترة طويلة أمام محلات الطرابلسي، يراقبون القوالب ويتابعون البخار؛ فينظرون بدهشة إلى طريقة ربط الشراشيب.

نقولا عقروق

وكان أهل عمان كذلك قديماً يتعاملون مع محل الخياط «عقروق» المتخصص بالملابس الرجالية وبيع وكي وتصليح طرابيش الرأس الحمراء اللون.

وكانت عائلة فيليب نقولا عقروق قد باشرت بصنع الطرابيش في عشرينيات القرن الماضي في القدس أولاً، وتخصصت ببيعها ثم صنعها في عمَّان في محلهم بشارع الامير محمد «المحل كان قديماً تحت مقهى جفرا».. حيث كانوا يستوردون المادة الخام التي تصنع منها الطرابيش من النمسا، في حين كانت الخيوط الحريرية السوداء التي تستخدم في صنع الشراشيب كانوا يستوردونها من نيوزيلندا بالدرجة الأولى، ومن ودول أخرى.