كتابة وتصوير: مفلح العدوان



*إشارة:

كان لا بد من استراحة عدة أعوام، قبل العودة مرة أخرى لاستكمال كتابة مشروع «موسوعة القرية الأردنية»، وها هي صفحة «بوح القرى» تعود بعد أن توقفت منذ عام 2017م، وكانت الرأي تبنت مشروع توثيق القرى منذ عام 2005م.

كثير من الأشياء تغيرت منذ بداية أول نشر لبوح القرى على صفحات الرأي، ليست عجلة الزمان فقط، بل حتى القرى تغيرت، والرأي أيضا لم تعد كما كانت آنذاك، لكني انطلاقا من مسؤوليتي ومحبتي وعلاقتي الحميمية بهذا المشروع (بوح القرى)، وبالمؤسسة التي أعتز بها الرأي التي حملت هذا المشروع في زمن قوتها ونهوضها، ولا بد من الوقوف مع هذه المؤسسة/ مؤسستنا، ولم تقصّر، ولذا صار لزاماً عليّ حين آن أوان استكمال البوح، أن يكون من على صفحات الرأي، التزاما واعتزازا بـ(الرأي)، وإخلاصا لهذا المشروع الذي يوثق للوطن بكل تفاصيله؛ بقراه، ومدنه، وأحداثه، ووثائقه، وتاريخه، وواقعه، وما كتب عنه، وما لم يكتب بعد.

ذاكرة البلاد

من زمان.. قبل أن يقول الراوي: «كان يا ما كان». كانت البلاد، بلادي، مزروعة بالقرى التي تتهيأ سنابل الحياة فيها لتدوين ذاكرة كل من واطنوها أو مروّا بها أو عايشوها، فصارت كل ذرة تراب في الأردن، حكاية، وحدثا، وخطوات، يسجلها التاريخ، فتبقى علامة فارقة، وأثرا طيبا، على مر الزمان.

وأيضا، في بلادي دروب، ما زالت تنبض القداسة، وتتشح بها، وتشعها منارات حضارية، وإنسانية، لتبقى نبراس تسامح، ورسالة محبة، أبد الدهر.

وتأتي كتابة «بوح القرى» في ذات سياق الزخم التاريخي والمعرفي بالمكان والإنسان الأردني، إنها محاولة جادة للكتابة، للتوثيق، للحديث بلسان البلاد، كل البلاد، لتكون منمنمات الكتابة هذه لوحة مكتملة في النهاية، يمكن الاضافة عليها، لتزداد صدقا، وحقيقة ووضوحا، وجمالا، وإلا ما فائدة التغزل بالوطن، إن لم ندون كل تفاصيله، وماضيه وحاضره والمأمول في مستقبله، وهذه الإنثيالات في «بوح القرى»، ليست ثرثرة على النهر، ولكن تأملا لكل قطرة ماء فيه، ولا هي قصيدة في ليل صحراء، بل تدوين لكل ذرة تراب هناك، وما كانت لافتة صماء في مدينة، بل هي نقوش راسخة على الجدران والبيوت والدروب.

الـ«بَوح» في كتاب

كان تشرين ثان عام 2005م، هو الشهر الذي انطلق فيه مشروع «بوح القرى»، كتابة موسوعة القرية الأردنية، البدء بمغامرة توثيق ذاكرة تلك الأمكنة بكل تفاصيلها، وتداعيات حضورها، من تاريخ شعبي، وتاريخ رسمي، وتاريخ شفوي، من آثار، وانثروبولوجي، وجغرافية، وتراث شعبي، وتتبع لبدايات الأشياء في تلك القرى: أول طالب، وأول معلم، وأول عسكري، وأول دكان، وأول طبيب، وأول مدرسة، وأول مجلس قروي، وأول، واول، كل تلك الأشياء نحاول ان نوثق بداياتها، ليكون هناك أثر مكتوب عن الرواد في تلك القرى، مثلما هناك كثير من الكلام عن الرواد في المدن، وفي الوطن اجمع، إذ أن لهؤلاء حق علينا، وجهدهم مضاعف في تلك الأمكنة القريبة أو النائية، في زمن كان كل شيء فيه شحيح، واستطاعوا أن يبنوا تلك القرى، رغم ضيق ذات اليد، وقلة الإمكانيات.

منذ أول بوح للقرى على صفحات الرأي، كان الحرص على مراكمة الكتابة والتوثيق والتصوير، فكانت زيارة أكثر من ثلاثمائة قرية، وخلال تلك الأعوام كانت مغامرة نشر تلك المادة الأدبية التاريخية العلمية في عدة كتب على شكل موسوعة أسميتها (موسوعة القرية الأردنية/ بوح القرى)، صدر منها ثلاثة مجلدات؛ كل مجلد يحتوي مادة ثلاثين قرية، الأول كان في عام 2008م، وقدّمت لهذا الجزء الدكتورة هند أبو الشعر، بينما الجزء الثاني كان في عام 2010م وقدم له الدكتور مهند مبيضين، وكان الجزء الثالث عام 2016م وقدم له الدكتور سالم ساري، وتم انتاج كثير من مادة بوح القرى إلى برامج تلفزيونية وإذاعية، ولكن هناك المزيد من تلك القرى بحاجة إلى توثيق وإعادة اكتشاف، كما أن بقية القرى التي زرتها ووثقتها لا بد من حفظها ونشرها لتكتمل أجزاء موسوعة القرية الأردنية/ بوح القرى.

في حضرة المئوية

وها قد مضت السنوات على بدء مشروع توثيق «بوح القرى»، تغير في تلك الأعوام كثير من واقع الحال، وتغير السارد، وتغيرت القرى، وتسارعت أحداث بكافة المستويات الاجتماعية والسياسة والاقتصادية والثقافية، كأن منسوب نهر الزمن، يريد أن يفيض بمخزون مئات السنين، ولكن بقيت كتابة «بوح القرى» محاولة لرصد، وتوثيق، وتدوين كل ما تيسر من ظاهر أو باطن في تلك القرى، كأنها تعبير عن حالة من حذر وحرص وخوف على تلك الذاكرة، وهذا التاريخ، وعبق التراب، ووجوه الطيبين، وتفاصيل الأشياء، كل الأشياء في تلك القرى، من أن يجتاحها طوفان التغيير، الصادق حينا، والزائف أحيانا، والمتشابه علينا في بعض المرات، والمتفق عليه، أو مختلف بشأنه، إلى حين.

وها هو العَود أحمد إلى هذا البوح، وفيما تبقى من هذه المساحة، سيكون هناك تذكير ببعض جوانب القيمة التي تسكن هذا الوطن، بنهره، وجباله، وغوره، وصخره، وصحرائه، ومائه، ومدنه، وقراه، حالة من العشق لا بد من البوح بها، وفي حضرة مئوية تأسيس الدولة الأردنية يتجدد الدعاء بأن يحفظ الله، دائما، وأبدا، هذا البلد، عزيزا، كريما، محفوفا بالبركات التي تسكنه، وبالتاريخ الذي يواطنه، وبالقداسة المزروعة في كل ذرة تراب فيه.

*نهر الأردن.. قداسة الماء

أنا الآن، أقرأ الاسم الذي هو عنوان التراب والماء فيها، عنوان الجغرافيا والتاريخ، الدين والأسطورة، البعيد والقريب، هو الأردن.. وأنت يا (نهر الأردن)، أبدأ منك، وبك، عنوانا وشرحا، وأنا أبحث فيك عن مسيح تعمّد بمهابتك.. ها قد تجلّى حضوره مع انسياب مائك، وها هم حوله، حواريوه، يهبّون في النهر مثله، فيزداد نبع التقديس.. أتهجاّك أكثر.. ما أعظم معانيك.. تهادى، فأنت النهر الشاهد، الشهيد.. مهيبا أنت، عميق الدلالة، روحا، وواقعا مقدسا، لا حبرا على ورق.. أعرفك نقيا كمهجة النبيّ، مباركا كبؤرة السماء.. هكذا خبرناك، قبل الأطالس، والخرائط، وقسمة الأرض على غير أهلها، فنحن أهلك يا نهر الأردن، أنت الذي تتهادى بثقة وسكينة، وينساب ماؤك بردا وسلاماً يناجي مقامات الصحابة حولك، والجباه السمر، والقرى المتلاحمة التي تتكئ عليك فتحنّ عليها، من الباقورة المحرّرة حتى المغطس الذي يناجي فيه ماءك قداسة كل الأزمنة.

حنجرات السرد

هذا المكان الصامت..

وتلك الحجارة المتناثرة فيه على شاكلة أطلال حينا، وآثار أحيانا أخرى، هو يحمل في طياته حنجرات تردد سرد ما خفي في باطن هذه الأرض من أسرار معتقة، وتاريخ عريق، وروح حية تخفق في داخله، فتستفز المريد كي يعيد قراءة كل ذرات التراب بما حوى..

هذا المكان..

صار لا بد من التنقيب عميقا في صحرائه، ونهره، وغوره، وسهوله، وجباله، كي يتم إماطة أقنعة السطح الزائف بعيدا، ليتسنى تبين ملامح حياة كانت تواطن هذا الثرى فتصنع تفاعلاتها فيه مصائر أمم، دون انقطاع عن التماس مع الحضارات والثقافات التي داهمت الأرض، هنا، والتي أقام بعضها، وبعض آخر مرّ، مثلما احتدمت صراعات إمبراطوريات كبرى على ثراه، غير أن كل هذه الفسيفساء الحضارية تركت آثارها على الرمال والحجارة والقرى والمدن والصحاري فيه.

مهابة الحجر

ليس من الممكن فهم المكان الأردني إلا إذا تم إعطاء القيمة لكل عنصر من عناصر الطبيعة فيه، فإذا كان الماء مقرون بالنهر، «نهر الأردن»، والملح مرتبط بالبحر، «البحر الميت»، كأخفض بقعة جيولوجية موجودة على سطح الكرة الأرضية، فللحجر أيضا قيمة ودلالة تزيد على كلا العنصرين السابقين، خاصة عند الوقوف بمهابة أمام البترا، حاضنة الحضارة العربية التي كانت مهدت للحضور الفعلي لزخم الهوية العربية كونها عاصمة مملكة الأنباط التي تشكل فيها الرسم الأول للأبجدية العربية من خلال الحرف النبطي، وفيها أيضا عاش إحدى عشر ملكا هم قوام تلك المملكة، وقد كان هؤلاء الملوك يجسدون في لحظات السلم والحرب من عام 500 قبل الميلاد وحتى عام 106 ميلادي مراحل المواجهة والحفاظ على الهوية العربية أمام موجات الهجمات العبرانية تارة، والفرعونية تارة أخرى، والرومانية في مراحل كثيرة.

حكمة الصحراء

أما الصحراء..

هذا الامتداد المسكون بالتراب البكر الذي ضم في جنباته أسفار تاريخ الثموديين، والصفويين، فقد كان قادرا على صياغة جزء من تاريخ المنطقة، بعبقرية الموقع، عندما احتضن مدنا كانت حواضر امتدت بعد ذلك لتطال الحضارات القادمة الأخرى، كما أنه احتوى بحكمة صمته تداعيات الخلافة الإسلامية كأنه يشكل عمقا بيئيا ومعنويا لنسيج الوفاق أو الخلاف في الحجاز، إذ أن «الحميمة»، القرية الواقعة جنوب الأردن، كان لها فضل حضانة بداية الخلافة العباسية، وكان بها ميلاد ثلاثة خلفاء عباسيين، ومنها انطلقت ثورة بني العباس، بعد أن واطنها سنين عددا، وزرعوها، وأقاموا قريتهم هناك على اثر نبطي قديم كأنهم يحيون ميراث العرب الأوائل هناك.

وقبل ذلك، وليس بعيدا عن الحميمة، قريبا من البتراء كانت اذرح، مكان جبل التحكيم، حيث صيغت فيها أهم مفاصل الدولة الإسلامية، والتي منها استمدت الخلافة الأموية مشروعيتها واستمراريتها..

ويتسع فرجار الذاكرة بعد هذين المعلمين الذين أسسا لتكون الصحراء الأردنية منتجعات، وحصوناً، ومنارات، بدل أن تتلفع بغلالة الجفاف فصارت القصور الصحراوية في غير مكان فيها كالمشتى، والقسطل، والموقر، والرقيم، والخرانة، وعمرة.

ما وراء الكلمة

وأيضا.. هناك غير هذا الكثير، وما هذا البوح، وتلك النتف والإضاءات حول تداعيات قيمة المكان، إلا تلخيص سريع لعظمة المخبوء في هذا الوطن، حيث أنه تحت كل كلمة كتبت، هناك العديد من التفاصيل والكثير من القصص والحكايات التي تؤدي بمجموعها إلى بناء معمار الزخم المكون للمكان الأردني، ليس جغرافيا فقط، وإنما دلاليا ومعنويا أيضا.