عمر العرموطي

قصة الكهرباء في العاصمة عمان، وكيف انتقلت عمان من العتمة إلى النور بنهاية الثلاثينيات من القرن الماضي حكاية يرددها الأبناء والأحفاد عن الأجداد... وكما روى لي الاقتصادي المعروف «محمد رضوان» زكي محي الدين السعودي/ أحد أحفاد أصحاب مطحنة السعودي.فقد كانت الكهرباء في عمان مُنعطفاً تاريخياً في تاريخ المدينة وأهاليها، فالكهرباء تعني الحضارة بكل أبعادها، لأن الكهرباء تعني الإنارة والصناعة ووصول الماء إلى المنازل والخدمات على اختلاف أنواعها وتعني اللَّحاق بركب المدنية وشعوب العالم المتقدمة التي كانت الكهرباء عاملاً?رئيسياً في تقدمها صناعياً وزراعياً وخدماتياً.

والكهرباء في عمان القديمة تعني تأسيس منجرة حديثة أو محددة أو البداية بالصناعات الخفيفة.

في أواخر الثلاثينيات كانت بعض العواصم القريبة منا تنعم بالكهرباء مثل بيروت واسطنبول وبغداد، لكن عمان كانت محرومة من الكهرباء لعدم وجود شركة كهرباء تقوم بتوليد الطاقة الكهربائية وبعد ذلك تقوم بتوزيع الكهرباء لإنارة الشوارع والمنازل ولاستعمالها في المجالات الصناعية والزراعية وغيرها من المجالات.

وبما أننا الآن نحتفل بذكرى مرور 100 عام على تأسيس الدولة الأردنية الحديثة فإنه لا بُد من تسليط الضوء على قصة الكهرباء في عمان أيام زمان وكيف قام الرواد في عمان القديمة في تحويل الحلم إلى حقيقة، فإن قصة الكهرباء في عمان هي قصة الكفاح والعزم والتصميم.

بابور السعودي (مطحنة السعودي)

هذه المطحنة أسَّسها رجل من بيت الصّابر (شامي) ثم قام بشرائها شخص من عائلة علم الدين (لبناني) والحاج صبري الطباع وذلك في بدايات القرن الماضي.

وبعد ذلك استأجر الحاج رُشدي السعودي وإخوانه المطحنة من علم الدين (ضمان)، وكانت المطحنة بنفس موقع سقف السيل وهي عبارة عن جزيرة على ثلاثة شوارع (سقف السيل والمهاجرين وشارع رأس العين)والآن أُقيم عليها محطة الباصات المركزية ومساحتها كانت أربعة دونمات، فالمطحنة كانت على جسر المُهاجرين مُقابل المخفر في نفس موقع ساحة النخيل والنوافير بجانب مبنى أمانة عمان الجديد والمتحف.

وقديماً كانت المطحنة تشتغل على الماء، ثم اشترى (آل السعودي) الحصص من علم الدين والطباع وأحضروا «ماتور» جديداً يعمل على الكهرباء تم شراؤه من فلسطين،وهذا الماتور كان يقوم بتشغيل المطحنة حتى غروب الشمس.

ومن الجدير بالذكر أن (بهجت صادق محي الدين السعودي) كان يقوم بإنارة عمان بفوانيس الكاز على (القناديل) بالتعاون مع بلدية عمان قبل الحاج محمد علي بدير كمتعهد فوانيس عمان وذلك في الثلاثينات من القرن الماضي، فقد أخذ تعهداً من شركة الكهرباء وبلدية عمان من أجل إنارة عمان القديمة بالفوانيس والتي كانت تُضاء ليلاً حيث كان وقود هذه الفوانيس (الكاز)، وقد توفي بالثمانينات من القرن الماضي، لكن عندما جاء محمد علي بدير إلى عمان بدأ يعمل بالأساسيات لذلك قام بشراء رخصة الكهرباء من (بهجت صادق محي الدين السعودي) فاشترى هذه ال?خصة بمبلغ 100 جنيه فلسطيني حتى يُضيء عمان.

... وفيما بعد صار الاتفاق بأن تعهَّد محمد علي بدير بإضاءة عمان وأسَّس شركة الكهرباء الأردنية، وفي البداية حصل بدير على الكهرباء من مطحنة السعودي وذلك خلال الفترة الليلية عندما يكون موتور الكهرباء في مطحنة السعودي مُتوقفاً عن العمل بعد الغروب أثناء الليل وحتى صباح اليوم التالي.

وفيما بعد، وبعد أن قام الحاج محمد علي بدير بتأسيس شركة الكهرباء الأردنية قام بشراء قطعة أرض في منطقة رأس العين حيث أحضر موتورات لتوليد الكهرباء على (الديزل) بدلاً من توليد الكهرباء من موتور (مطحنة السعودي) خلال الفترة المسائية وظلَّت مولّدات الكهرباء في رأس العين التابعة لشركة الكهرباء الأردنية تعمل حتى سنة 1979م، وفي هذه السنة أصبحت سُلطة الكهرباء الأردنية تقوم بتوليد الكهرباء بواسطة محطة الحسين الحرارية بالزرقاء، وبعد ذلك تقوم ببيع الكهرباء وتوزيعها على شركات الكهرباء.علماً بأن موقع مولدات الكهرباء برأس ?لعين استملكته أمانة عمان وأصبح يُعرف بـ (جاليري أمانة عمان) حيث تُقام به – الآن–المعارض الثقافية والعروض الفنية.

وقد استملكت أمانة عمان مطحنة السعودي عام 1986م وتم استملاك الأراضي في كل منطقة رأس العين (حوالي 60 دونماً) من أجل بناء مباني إدارة أمانة عمان الجديدة ومواقف السيارات والحدائق المُلحقة بالمبنى.