أ.د ابراهيم بظاظو عميد كلية السياحة والفندقة في الجامعة الأردنية فرع العقبة 

تعد السياحة العسكرية من الأنماط السياحية الجديدة على المستوى الدولي، ويشكل هذا النوع من السياحة اتجاهاً معاصراً في الدراسات الحديثة في صناعة السياحة على المستوى الدولي، فقد استطاعت عدد من الدول في العالم خلق قصص نجاح في تطوير هذا النوع من السياحة، كما الحال في عدد من الدول الأوروبية، التي قامت بتطوير العديد من المسارات السياحية في أماكن انتشار أحداث الحرب العالمية الأولى والثانية، واستطاعت هذه الدول تحقيق مكاسب تنموية كبيرة أسهمت في تنويع منتجها السياحي، واستقطاب المزيد من الحركة السياحية إليها.

تمتلك السياحة العسكرية كافة مقومات النجاح في الأردن، والتي تتمثل برعاية جلالة الملك عبدالله الثاني حفظه الله ورعاه، إضافة إلى توفر الأمن والاستقرار كأهم العناصر الجاذبة للحركة السياحية، كما إن مقومات العرض السياحي متوفرة في الأردن، وتتمثل بتطوير المسارات العسكرية للثورة العربية الكبرى، والتي أسهمت في تأسيس حركة النهضة في الإقليم العربي، وساهمت في تأسيس الأردن الحديث، وكذلك مسارات حرب الكرامة، واحتواء الموقع على النُصُب التذكاري للجندي الأردني الموجود في الشونة الجنوبية جنوب قرية الكرامة حيث وقعت معركة الكر?مة عام 1968، خاصة أنها تتواجد في بيئات سياحية جاذبة في مناطق الأغوار الأردنية ومحمية رم الطبيعية، إضافة إلى توفر المتاحف العسكرية في الأردن على غرار متحف الدبابات الملكي الأردني، ومتحف صرح الشهيد والمتحف العسكري الغارق في مياه خليج العقبة، وتمثّل تلك المواقع العسكرية مصدرًا رئيسيًا للتاريخ العسكري لتلك المعارك لأنها تحكي الحكاية كما حدثت.

تتمثل الأهمية الاقتصادية للسياحة العسكرية في الأردن في كونها مصدرا متجددا ومستداما للمنتج السياحي الأردني، تسهم في النهوض بالمواقع التي انتشرت على أرضها الأحداث العسكرية، إلى جانب كونها مصدرا مهما للذاكرة الوطنية ومصدراً للعملات الصعبة وتشغيل الأيدي العاملة والقضاء على البطالة، من خلال توفير فرص عمل للأردنيين، إضافة إلى تنشيط الحركة الاقتصادية من خلال دور جلالة الملك عبدالله الثاني في إقامة المعارض العسكرية كما الحال في معرض ومؤتمر سوفكس، والذي يعتبر المعرضَ العسكريَّ الدوليَّ الأكبر في العالم والوحيد في ا?منطقة المتخصص في مجال معدات العمليات الخاصة والأمن القومي.

تُقام أعمال وفعاليات معرض معدّات العمليات الخاصة «سوفكس» (SOFEX) في قاعدة الملك عبدالله الأول الجوية في عمّان، مرةً كل عامين منذ عام 1996، تحت الرعاية الملكية السامية لجلالة الملك عبدالله الثاني، والذي يُسلّط الضوء على جميع مستلزمات العمليّات الخاصّة والأجهزة الأمنيّة وقوات حفظ السلام ومجالات التدريب والتنظيم المتعلّقة بها.

معرض سوفكس» (SOFEX) في قاعدة الملك عبدالله الأول الجوية في عمّان

تأسس متحف الدبابات الملكيّ بإرادة ملكية سامية عام 2007، بهدف الحفاظ على الدبابات والآليات والمدرعات التابعة للقوات المسلحة الأردنية -الجيش العربي- أو التي تمثّل التراث العسكري العالمي، وعرضها للزوار، يضمّ المتحف الذي افتتحه جلالة الملك عبدالله الثاني يوم 29 كانون الثاني 2017، أكثر من 110 من الدبابات والآليات والمدرَّعات، والتي كان لبعضها دورٌ في معارك الحق والبطولة التي خاضتها القوات المسلحة الأردنية-الجيش العربي، وهو يشتمل على مقتنيات أصلية وأخرى تم ترميمها تَعرض تاريخَ الدبابات والآليات والمدرّعات منذ عا? 1915 وتطوُّر صناعتها.

أقيم المتحف الذي يُعَدّ من أهمّ متاحف الدبابات في العالم والأول من نوعه في المنطقة، في حدائق الملك عبدالله الثاني بمنطقة المقابلين في العاصمة عمّان، حيث يعرض عدداً من الآليات العسكرية القديمة الخارجة من الخدمة والتابعة للقوات المسلحة الأردنية-الجيش العربي، وكذلك آليات قدمتها دول عربية وصديقة للأردن كهدايا أو في إطار برامج التبادل العسكري.

متحف الدبابات الملكيّ والذي افتتح بإرادة ملكية سامية عام 2007

تعد السياحة العلاجية الطبية أحد أهم أركان وركائز السياحة العسكرية في الأردن، حيث تطورت السياحة العلاجية وارتبطت بشكل وثيق بالخدمات الطبية الملكية، والتي أسهمت في تطور متسارع في هذا المجال، فالمستشفيات العسكرية ساهمت باستقطاب عدد كبير من السياح على المستوى الاقليمي والدولي، حيث أتاحت هذه المنشآت المتميزة للأردن أن يصبح إحدى أوائل الدول في الشرق الأوسط وشمال افريقيا، في هذا المجال.

تعد العقبة جوهرة البحر الأحمر ومحور اهتمام جلالة الملك عبدالله ابن الحسين، فجوانب الاهتمام الملكي في العقبة في كافة النواحي، ومن أهمها إنشاء المتحف العسكري الغارق في مياه خليج العقبة عام 2019، والذي يعد الأول من نوعه على المستوى الإقليمي، يحتوي المتحف العسكري على العديد من الاليات العسكرية والقطع الحربية التي تم إغراقها بشكل يستهوي السياح للقدوم والاطلاع على تجارب سياحية جديدة تسهم في تنويع المنتج السياحي الأردني.

المتحف العسكري الغارق في مياه خليج العقبة

يمكن استثمار مسارات السياحة العسكرية لجيوش الثورة العربية الكبرى في الأردن كمنتج مهم في السياحة العسكرية في الأردن، حيث تحركات الجيوش العربية في مناطق تتصف بامتلاكها كافة مقومات الجذب السياحي، في مناطق القويرة ورم والديسة ومناطق البادية الأردنية الشرقية بما تحويه من مقومات جذب سياحي بغاية الروعة، بما تشمله من تنوع حيوي فريد وأشكال السطح المتفردة.

يشار هنا إلى المشروع البحثي الذي قام به أ.د ابراهيم بظاظو وبرفقة مجموعة من الباحثين، أشرفت عليه الجامعة الأردنية فرع العقبة بالتعاون مع وزارة الثقافة برصد عشرين مسار للثورة العربية الكبرى في أرض الأردن، وشكلت المسارات العشرون شبكة من العمليات العسكرية فوق الأرض الأردنية، والذي يتزامن مع احتفالات المملكة بالمئوية الثانية لتأسيس الأردن، استند مشروع توثيق المسارات العسكرية للثورة العربية الكبرى على تقنيات الواقع الافتراضي (Virtual Reality) من خلال واجهة تطبيق الكترونية، تحتوي على معلومات تتضمن مسارات الثورة ا?عربية الكبرى داخل المواقع التاريخية ضمن آلية عرض ثنائية وثلاثية الأبعاد، وإمكانية عرض صور لمواقع الثورة العربية الكبرى بأبعاد ومقاييس رسم متنوعة، مما يسهم في التعرف على النمط الجغرافي، في توزيع مسارات الثورة العربية الكبرى داخل أماكن الجذب السياحي، باستخدام التحليل المكاني المبني على تقنيات وتطبيقات وأنظمة حاسوبية للعالم الافتراضي. مما يسهم في إثراء التوعية السياحية، وتعزيز مفهوم التربية السياحية، إضافة إلى التعرف على مقومات صناعة السياحة في الأردن، وتنويع المنتج السياحي الأردني.

لذا تعد السياحة العسكرية في الأردن نمطا سياحيا جديدا وواعدا، تمتلك الأردن كافة أشكال البنية التحتية والفوقية لتطوير هذا المنتج السياحي الجديد، مما يستدعي المزيد من الاهتمام والتنسيق بين كافة أطراف صناعة السياحة في الأردن لوضع هذا النمط السياحي الجديد على الخارطة السياحية المحلية والدولية، من خلال وضع استراتيجية واضحة المعالم لتطوير هذا النمط السياحي الجديد، ووضع السياحة العسكرية في الأردن على برامج المكاتب السياحية، وقيام هيئة تنشيط السياحة بالترويج لهذا النوع من السياحة، والقادم أجمل بإذن الله.