إبراهيم خالد الوحوش

يشكِّل الخطاب القومي العربي المعاصر جزءاً لا يتجزء من مشروع د.محمد عابد الجابري في كتابه "الخطاب العربي المعاصر"، الذي سلّط الضوء فيه على النهضة العربية والخطابات الموجودة في تلك الفترة، ومنها الخطاب القومي، فقد أسهم إسهاماً بارزاً في تقديم المفهوم الخاص بالخطاب القومي العربي المعاصر. وكما يُشير؛ فإن الخطاب القومي جزء من الخطاب النهضوي ومحاولة لاحتوائه من جهة، وتجاوزه من جهة أخرى، فالاحتواء كان بصورة عامة؛ لأنه ينتمي إلى إشكالية النهضة، والتجاوز، لأن النهضة التي يريدها وعي النهضة (المرادفة للوحدة والاشتراكية)، في حين أن الشقّ الثاني من الخطاب كان من أجل تحرير فلسطين.

لقد تكوّن مؤخراً مفهومان أساسيان، أوردهما الجابري في كتابه وأثار الحديث حولهما، الأول يجمع الوحدة والاشتراكية، والآخر تحرير فلسطين، فهو يرى أن الوحدة ويقابلها الاشتراكية، ارتباطهما ببعضهما بعضاً ارتباط علّة بمعلول أو شرط بمشروط، وأن تحقيق كلّ واحد منهما يعتمد على الآخر، فالوحدة لا تتحقق إلا بوجود الاشتراكية، والعكس من ذلك صحيح. والجدير بالذكر أنّ الجابري تطّرق إلى عقد مقارنة بين البلدان الأوروبية ومنها ألمانيا مع نظيرتها العربية، ولكن الإشكالية في العالم العربي ليست الإشكالية نفسها هناك في الغرب، الأمر الذي يجعل من المقايسة مجرد مسألة توضيحية لا قضية تعميم أو قانون، فعلى الرغم من تأثر العرب في أواخر التاسع عشر وأوائل القرن العشرين بالحركات القومية التي شهدتها آنذاك الدول الأوروبية، فإنّ ارتباط الوحدة والتقدم بمفهوم النهضة في الوعي العربي الحديث لن نجد له نموذجاً يوضحه وفي الوقت نفسه يكشف عن قوته وضعفه، إلا في الصورة التي ترسخت في وجدان العرب، وهذا يعني أن العرب لم يستطيعوا الوصول إلى الوحدة والاشتراكية، ويرجع السبب إلى غياب العناصر الوحدوية، والضعف في وحدة هذه العناصر المتمثلة بوحدة الدين، والأرض، والجنس، والاقتصاد. وهنا ثمة تساؤل يطرح نفسه: ما الذي أدى إلى غياب تلك العناصر؟

يجيب الجابري على التساؤل بقوله إن التهديد الخارجي والاستعمار الداخلي الذي حلَّ بالعرب أدى إلى تشتت هذه العناصر. وهنا أيضاً حدثت المفارقة العجيبة؛ فكما أنَّ لهذا التهديد أثرا سلبيا، فقد كان له الأثر الإيجابي في دفع العرب نحو وحدتهم في الوقت نفسه، بدليل أن الوعي العربي لم يجد ما يحصّن به نفسه إزاء التهديد الخارجي إلا بالذهاب نحو الثقافة، والثقافة كانت في اللغة العربية الرابط الذي جمع العرب بعد تشتتهم، واللغة العربية كانت وما زالت العنصر الرئيس الذي يجمع الشعوب العربية، وعليه، فإن هذه الرابطة القوية تتضاءل فيها الاستثناءات بخلاف العوامل الأخرى المُشار سابقاً إليها. وقد ظلّت اللغة الفصحى دوماً الرابط الفكري بين الشعوب القاطنة في المنطقة العربية من الخليج إلى المحيط. وإلى جانب كونها لغة القراءة والكتابة، فهي لغة القرآن الكريم، وهذا ما أضفى عليها القدسية. من أجل ذلك لم يكن مُستغرباً في تركيز المفكرين القوميين العرب على اللغة كرابط قومي أساسي، بل وحيد، ولم يقتصر هذا النمط من وعي النهضة على رواد الفكر العربي في أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن، بل إنّه ظاهرٌ الآن في الساحة الفكرية العربية المعاصرة؛ إذ يرفع شعار الثورة الذي ترتبط فيه الوحدة بالاشتراكية، ورغم كل الظروف التي عاشتها الشعوب العربيّة من قبل، فإن تعميق التجزئة العربية هو القانون الموضوعي لعصر الإمبريالية.

من هذا المنطلق، أعود إلى الجابري من خلال تساؤله: كيف يعيش الوعي العربي المعاصر إشكالية النهضة من خلال الترابط الضروري الذي يقيمه بين الوحدة والتقدم أو الوحدة والاشتراكية؟ وهنا يجب التمييز بين مرحلتين مهمتين في تطور ذلك التلازم الضروري الذي يقيمه الفكر العربي بين الوحدة والاشتراكية:

المرحلة الأولى من الأربعينات إلى أواسط الخمسينات، والمرحلة الثانية هي ما بعد الخمسينيات، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذا التمييز لا يعني القطع بين المرحلتين، بل العكس، ففكر المرحلة الأولى ما زال حيّاً يعيد إنتاجه على أنه فكر معاصر، وأن أساس التمييز هو ظهور اتجاهات تبلورت بعد الخمسينات لم تكن موجودة من قبل، فكان الطرح في المرحلة الأولى طرحاً عاطفياً إلى حدّ كبير، ولم يكن الاهتمام في البحث عن الأسس الموضوعية التي من شأنها أن تجعل الوحدة ممكنة، ولا عن المراحل التي لا بدّ من سلوكها للوصول إلى الوحدة، بل طُرحت "الوحدة الشاملة" كبديل عن الواقع العربي الحزين، فلا نظام الحكم القائم يسعفهم ولا التركيب الاجتماعي أيضاً، وجميع هذه الأمور كانت وما زالت واقفة في طريق تحقيق وحدتهم، ما عدا طريق اللغة والتاريخ، الأمر الذي جعل من المفكرين القومين يعقدون آمالهم وأنظارهم عليها والتركيز على اللغة والتاريخ كعنصر ذاتي يتضمن جميع العناصر الوحدوية، وذهبوا في طائفتين: الأولى تُشيد نظرية عامة في الأمة القومية على أساس اللغة والتاريخ عادّةً العناصر الأخرى ثانوية ليس من الضروري توافرها لقيام كيان قومي محدد، فهي في نظرهم ليست شرطاً لوجود الأمة، أمّا الأخرى فكانت تعلم بصعوبة تشيد نظرية قومية على أساس اللغة والتاريخ وحدهما، لذلك توجهت إلى الفصل بين الوجود القومي والنظرية القومية، وانصرفت كليةً لإعادة بناء هذا الوجود القومي على أساس اللغة والتاريخ وحدهما، بل بوصفهما قوة إقناع بلاغية تستطيع أن تختزل التاريخ الماضي والحاضر والمستقبل، فدعمت العديد من الشعارات في الأربعينات والخمسينات، قدّمتها للشاب العربي، شعارات أخّاذة رسّخت في وجدانه أن الأمة العربية كائن وجداني ثقافي، وأن الفوارق القائمة بين أبنائها أعراض مرضية ستزول مع يقظة الوجدان العربي، ومن أجل إيقاظ هذا الوجدان رسّخت فيه "أن الإيمان قبل المعرفة، وأن القوميّة حب، ومن يحب لا يسأل عن أسباب حبه". وبهذه الروح الدرامية طرح الفكر القومي في مرحلة ما قبل الخمسينات قضية الوحدة والاشتراكية، ومع كل هذه المحاولات لتحقيق الوحدة والاشتراكية إلا أن العرب لم يشكّلوا معنى الأمّة وفقاً للتعريف الستاليني لها، وذلك يرجع لغياب العنصر الاقتصادي بين الشعوب العربية وعلى مختلف منازعه الفكرية.

إنّ خطاب الوحدة والاشتراكية في الفكر العربي هو في الوقت نفسه خطاب من أجل تحرير فلسطين، فلم تكن فلسطين قبل سنة ١٩٤٧ حاضرة في الوعي العربي إلّا بشكل جزئي وهامشي، وهنا يلاحَظ عدم تقدير العرب تقديراً كافياً لأبعاد الحركة الصهيونية ومدى خطورتها على حركة التحرير العربي نفسها، وأنهم نظروا إلى الحركة الصهيونية آنذاك على أنها صراع بين العرب واليهود داخل فلسطين، وبالتالي لم تكن نظرتهم إلى القضية على أنها قضية عربية؛ بل قضية فلسطينيّة قُطْريّة، وكانت الخطورة الصهيونيّة غائبة تماماً عن وعي الساحة العربية رغم صراحة وعد بلفور. ومن هنا كان الوَقْع الكبير الذي ضرب العرب بعد خسارة جيوشهم السبعة وقيام إسرائيل كدولة، فأصبح لا يُعبِّر عن وعيهم سوى كلمة واحدة هي الكارثة، وأدى هذا الشعور إلى رفضهم الكبير للكارثة التي حلّت بفلسطين ورفضهم القاطع لأنفسهم بعد هزيمة ١٩٤٨، وبالتالي تَحوّل الوعي العربي من وعي قطْري إلى وعي بوحدة الأمّة العربيّة ووحدة مصيرها. وما ميّز الوعي العربي الحديث في تلك الفترة هو عدم استسلامه للهزيمة، ولكن هذه كانت مجرد آمال وأهداف باهتة، فأصبحت إسرائيل هي الواقع والعرب هم الممكن، إلى أن ظهرت فكرة حرب التحرير الشعبية، أو حرب العصابات، بإعداد عشرة آلاف من الفلسطينيين، موزعين على الحدود الفلسطنيّة لمجابهة الاحتلال، وهذه الرغبة تُعبّر عن روح ثورية بلا شك، ولكنها مبنية على رغبة ضمنية لا أكثر.

كان لا بدَّ من لفت النظر إلى مدلول واقعي، هو "التجربة الناصريّة"، ومع ذلك يؤخذ على هذه التجربة كما أشار الجابري أن عبد الناصر كان يتجاهل الفلسطينيين ويعدّهم موضوعاً للتحرير لا ذاتاً قادرة على تحرير نفسها واستعادة وطنها. وانتقالاً إلى هزيمة سنة ١٩٦٧، والتي هي بداية النهاية للتجربة الناصرية، وفي الوقت نفسه البداية الفعلية للثورة الفلسطينية، تغيرت كل مفاهيم خطاب الثوري، فأخذ اللاجئون الفلسطينيون يتحولون إلى ثوريين وفدائيين مقاومين، وكانت الوحدة والاشتراكية قبل التجربة الناصرية ومعها، الطريق الصحيح إلى فلسطين، ولكن بعد هزيمة ١٩٦٧ تغيرت المعادلة وأصبح تحرير فلسطين من أجل تحقيق الاشتراكية والوحدة. هذا الخطاب لا ينتهي إلا لنقائض، كما يقول الجابري: "الوحدة والاشتراكية هما شرطا لتحرير فلسطين، الوحدة- تحرير فلسطين شرطاً لتحقيق الاشتراكية، الاشتراكية- الوحدة شرطاً لتحرير فلسطين، الاشتراكية- تحرير فلسطين شرطاً لتحقيق الوحدة، تحرير فلسطين- الوحدة شرطاً لتحقيق الاشتراكية".

إن جميع هذه القضايا صحيحة منطقياً، أي أنها قابلة للتبرير والبرهنة، ولكن كل واحدة تتناقض مع القضايا الأخرى، فنحن أمام نقائض تؤسس الخطاب القومي العربي المعاصر بمختلف منازعه الفكرية؛ وهذا ما يجعل من الخطاب القومي خطاباً في النقائض الأيديولوجية، والحقّ أن الخطاب القومي نجح نجاحاً كبيراً في بث الشعور القومي بين صفوف الجماهير العربيّة مشرقاً ومغرباً، لكنّه لم يتجاوز المقولات العاطفية المرتبطة باللغة والتاريخ، إلى المقولات العقلانية التي لها صلة بالهياكل الاقتصادية والسياسية والواقعيّة.