طاهر صبح

لم يهدف محمد عابد الجابري في كتابه "الخطاب العربي المعاصر" إلى إيجاد الحلول لمشكلة الخطاب العربي دون تحديد وتحليل المشكلة تحليلاً أبستمولوجياً بعيداً عن التصنيفات الأيديولوجية للفكر في الخطاب العربي ذاته، وهذا ما استعرضه في مقدمته، متعمداً ترك أيديولوجية الخطاب إلى امتداد مشروعه النقديّ الضخم "نقد العقل العربي".

وقبل أن يشرع الجابري في إيجاد الخلل في الخطاب العربي المعاصر، قام بتفكيك الخطاب بحسب مجالاته واستخداماته، من أجل تحديد أماكن الضعف وتحديد إشكالياته. وفي صدد هذه المقالة، أسلّط الضوء على ما جاء به الجابري في حقل "إشكالية الخطاب النهضوي".

• الخطاب النهضوي

تطرق الجابري قبل الخوض في إشكالية الخطاب النهضوي إلى تحليل مصطلحَي النهضة والثورة، فهذان المصطلحان الغربيان رغم ازدواجيتهما في المعنى إلا أنهما يلتقيان في الدلالة، فكلاهما يدلّان على المستقبل. تكمن مشكلة هذان المصطلحان في وعي العربي كونهما مصطلحين أوروبيّين فرنسيّين لا عربيّين، فالمصطلح يولد كما هو متعارف عليه تاريخيّاً؛ أي بعد حالة أو حدث في الماضي، والوعي العربي لا يدرك تماماً تاريخية هذين المصطلحين، فعندما وفدا إليه استقبلهما استقبالاً غامضاً مما جعله محصوراً أمام نموذجين: إما النموذج الأوروبي الغربي، الذي يعبّر عن ذاته بالحرية والامبريالية؛ والنموذج الإسلامي، الذي يعبّر عن نفسه بالركود والانحطاط، ولهذا تشكلت شخصية المتلقي العربي للخطاب، شخصية متناقضة ومتوترة يقودها الانفعال والعاطفة عند الاختيار.

يرى الجابري أنّ وعي النهضة عند العربي قائم على الإحساس بالفارق بين الآنا والآخر، أي واقعه الذي يعيشه، وبين النموذج الإسلامي الذي كلما فكر فيه ازداد تعقيداً وبعداً عن ذاته، وبين النموذج الأوروبي الذي لا يستطيع مجاراته علميّاً وتكنولوجيّاً. ويستنتج بذلك أن العقل العربي عندما يتناول الخطاب النهضوي يعاني ثلاثة أمور:

أولاً: تجاهل معطيات واقعه.

ثانياً: فقدان الذات والهوية العربية وتاريخها الثقافي العريق وانغماسها في تبعية الآخر الأوروبية.

ثالثاً: تضخّم ظاهرة الطموح النهضوي القائم على "القيادة الإنسانية" وليس الالتحاق بالركب الحضاري الراهن. وقد تبنى التيار الإسلامي القومي هذه الظاهرة، الذي يتصور أن مشروع النهضة ما هو إلا بعث للإسلام الجديد، ولعل هذه العلة الثالثة ليست قائمة فقط على القيادة القومية للعالم، بل على انتظار سقوط الآخر، وكلما طال هذا الانتظار زادت الحضارة الأوروبية تقدماً وتأخرت الحضارة العربية في الالتحاق بالركب الراهن.

• موقف السكوت في تناول أيديولوجية الخطاب

نشأ من كلا النموذجين الإسلامي والأوروبي تياران؛ التيار السلفي، والتيار الليبرالي العربي. ووجد الجابري في مضامين خطابهم "إنهم يفكرون بالنهضة ولا يفكرون فيها كبديل عن الواقع الذين يعيشونه"، وهذا ما تطلّب منهم السكوت عن مضمون فكرة مشروع نهضتهم، فموقف السلف قائم على "الظاهرة التبشيرية" التي ترسخ في الوعي العربي "أن ما يعيق النهضة العربية هو عدم سقوط النهضة الأوروبية"، وهذا ما يتطلب من الخطاب السلفي السكوت عن الشرط الموضوعي لتحقيق النهضة؛ سقوط الإمبراطوريتين الرومانية والفارسية، وهو الشرط المحال تحقيقه في ظل الواقع، لأنه سيتطلب غياب الآخر، وإصدار حكم قاسٍ بحق النهضة العربية بأن إصلاحها مستحيل.

أما موقف الليبرالي العربي المتبني لعبارة "لن تنهض العرب إلا بما نهضت به أوروبا"، فهو لا يختلف عن الموقف السلفي؛ فكلاهما يتبعان أسس تفكيرية واحدة ويختلفان فقط بنوع الإطار المرجعي، فكما يتطلب الأمر من الخطاب السلفي السكوت، يتطلب أيضاً من الخطاب الليبرالي العربي السكوت عن الواقع التاريخي للمبادئ الأوروبية التي يعدّها الليبرالي العربي أساس قيام النهضة (الحرية، المساواة، الدستور، والنظرة العلمية الموضوعية للكون)، ذلك لكون هذه المبادئ جاءت عن طريق مسلسل تاريخي نهضوي طويل، لأن الحضارة الأوروبية عندما جاءت بمثل هذه المبادئ لم يكن هنالك ما يعيقها أو ينافسها، فلم تنظر إلى الآخر -أي الحضارة العربية- بنظرة تنافسية، بل كان الآخر بالنسبة لها موضوعاً. ثم يأتي الموقف التوفيقي من أجل أن يحل هذه الإشكالية بين السلفي والليبرالي العربيين ليحاول جمع ما بين الحسنيين، تاركاً وناسياً أن أحسن ما في النموذج الإسلامي هو ما تبنّاه السلفي، وأن أحسن ما في النموذج الأوروبي هو ما تبنّاه الليبرالي العربي، فالموقف التوفيقي يسكت عما سكت عنه التياران، ويتبنى من كليهما اللامعقول.

• إشكالية الأصالة والمعاصرة في الخطاب النهضوي

يأخذ الجابري في البداية مصطلحي "الأصالة" و"المعاصرة" إلى مختبره التحليلي، من أجل مناقشتهما مناقشة عقلانية لتحديد أماكن الضعف، لأن ثمة إشكالية عندما نطرح قضية الأصالة (التراث)، وقضية المعاصرة (الفكر الأوروبي/ الحداثة).

وحتى نخرج ملمّين بإشكالية الأصالة والمعاصرة، لا بد من الرجوع إلى العقل العربي الذي يعاني من غياب نقد العقل في الخطاب العربي، فيبدأ الجابري بالتيارين اللذين تناولا الخطاب العربي المعاصر، وتحليل عقلية كل منهما، فالعقل الإسلامي السلفي المتمسك بالماضي، ما يزال ينوه بالعقل والاحتكام إليه، الذي يرجع أساسه إلى الدين والأخلاق، وهو لا يمنع من تحرير الفكر والتفكير، لكنه يحرص على أن يحصر الفكر ضمن دائرة الماضي وعدم الخروج منها؛ أي أنه إذا أراد أن يناقش فكرة الإصلاح أو التجديد، أخذَنا إلى مرحلة ما قبل الخلاف في التاريخ الإسلامي واتخذها نموذجاً يُحتذى به للإصلاح أو التجديد من دون النظر إلى واقعه. وتعامُل العقل السلفي مع الخطاب النهضوي ما هو إلا تعامل نوستالوجيّ لاعقلانيّ.. وكذلك الليبرالي العربي الذي لا يلقي اهتمامه بالماضي العربي، فقد أخذ يلتقط عناصر النهضة الأوروبية (المركبات الذهنية) من فضاء الفكر الأوروبي، وينثرها إلى فضاء الفكر العربي على شكل متنوعات. وكما سلف الحديث، فإن هذه المركبات الذهنية لها تاريخ تسلسلي نهضوي طويل، فما كان من التيار السلفي إلّا أن يترصد للمبادئ الليبرالية بسهولة، وسرعان ما تتلاشى. ولا بد من الإشارة إلى أن الجابري لا يسعى من خلال نقده اللاذع لهذين النموذجين إلى هدمهما، لأنهما يمثلان أساس قيام النهضة، بل إنه يريد إعادة هيكلتهما أيديولوجيّاً من أجل إيجاد الحلول.

يرى الجابري أن العامل الأساسي في تحقيق النهضة وحل أزمة الأصالة والمعاصرة، هو اللجوء إلى الفلسفة، فيطرح جميع الفلسفات على الطاولة من أجل التوصل إلى حل إشكالية النهضة، فيجد أن الفلسفة الاشتراكية العلمية من خلال الحركة الوطنية التحررية حلّ مناسب لمشكلة الأصالة، ويعتقد أنها أقرب شيء لمجاراة الواقع الحضاري العربي، إلا أنه لا يعول عليها كثيراً؛ لأن حل أزمة المعاصرة يتطلب تدخل الفلسفة الليبرالية، وهناك تناقض كبير بين الفلسفتين وصراع تاريخي طويل.

• نحو بداية جديدة

ينوّه الجابري إلى أمر يجب أن نبدأ به قبل كل شيء، ينبغي علينا أولاً معرفة الذات العربية المعاصرة، لأنها في -حقيقة الأمر- تعيش في غربة عن واقعها؛ فالعقل العربي يعيش في انقسام فكري واضح، لهذا نجد أن العقل العربي يتعامل مع الفكرة تعاملاً استهلاكيّاً لا إنتاجيّاً ولا نقديّاً، فيجب أن يكون العقل العربي أكثر عقلانية وأن يبدأ بدراسة حالة مجتمعه دراسة نقدية؛ لأن الحاجة تدعو إلى تدشين عصر تدوين جديد قبل أن نخطو نحو النهضة.