راشد عنانزة



طُرحت الكثير من الدراسات التي توضح آلية عمل العقل العربي ومجالات تفكيره في الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية، ومنها كتاب "الخطاب العربي المعاصر" للمفكر محمد عابد الجابري، الذي قام بنقد العقل العربي من خلال تحليل الخطاب العربي وتفنيده. وكما هو معلوم، فالكتاب رسالة موجهة إلى طرف آخر، تتضمن في داخلها هدفاً ومشروعاً، أراد المؤلف إثارتها وإيصالها.

والقارئ يجد في طيات الكتاب مجموعة من الخطابات التي تسعى في أساسها إلى نقد العقل العربي، وفي هذا المقال أسلط الضوء على أحد أجزاء الخطاب العربي المعاصر: الخطاب السياسي.

عمليّاً، لو قمنا بربط الخطاب السياسي بالخطاب النهضوي لوجدنا أنهما وجهان لعملة واحدة، وهنا ثمة فكرة نواجهها كثيرا، وهي: الشعور بأن هناك شيئاً لم يتحقق، الأمر الذي دفع بالجابري إلى الشروع في مشروعه "نقد العقل العربي" وإطلاقه، والذي من خلاله يسعى إلى تفسير وشرح آلية تفكير العقل العربي، فيسلط الضوء على العلمانية وما يرتبط بها، والديمقراطية وإشكالياتها.

من المعروف أن الحديث السياسي حديث مضطهد وسيئ الحظ في الحركة العلمية؛ ويرجع السبب إلى أن نظام الحكم الإسلامي والضغط على حرية العلم والاستبداد الذي مورس على معاهد التعليم أدى إلى تضييق الطريق للحديث في السياسة وعلومها، لذلك كان الخطاب السياسي خطاباً غير مباشر وغير صريح، وقد تمت ممارسته عن طريق الرمز كما نلاحظ في كتاب "كليلة ودمنة"، الذي جرى على لسان الحيوانات، أو من خلال الأمثال والحكم كما في كتب السياسة الملوكية والآداب السلطانية.

إنّ الحديث في السياسة كان في سياسة الماضي مثل الحديث عن الخلافة، والذي تمحور في الفكر السياسي الإسلامي على الرغم من أن دوافعه كانت من الحاضر دائماً، وكان اللجوء إلى الماضي للقياس على الواقع والحاضر ولكن بطريقة غير مباشرة، حتى يكون الحاضر مشابهاً له. وقد تميز الخطاب السياسي الحديث باللجوء إلى التعميم والابتعاد عن مواجهة الواقع بشكل مباشر، وهذا ما جعله فقيراً من ناحية موضوعاته ومن ناحية طبيعته بوصفه خطاباً.

وتطرق الجابري إلى الحديث عن أبرز القضايا السياسية، وهي قضية العلاقة بين الدين والدولة، التي شغلت الفكر العربي الحديث؛ حيث تعدها التيارات المتعارضة شرطاً أولياً لنجاح النهضة التي يسعون إليها. وتعددت الآراء وبلغت ذروتها في التعارض بين هذه التيارات التي يسعى كل فريق منهما إلى تطبيق أطروحته التي يرى بها الحل الأمثل لتنظيم العلاقة الصعبة (العلاقة بين الدين والدولة)، وقد تمثل التعارض في أن كل فريق طرح وجهة نظره واعتمد على نظام معين في تدعيم رأيه، فالليبرالي يذهب إلى ضرورة الفصل بين أجزاء هذه العلاقة حتى يصل إلى التمدن والنمو ويضمن الوصول إليه، ولكن السلفي يرفض فكرته تماماً، ويرى أن أساس النهوض والنمو يكون بالاعتماد على القرآن الكريم، فهو خير وسيلة للتخلص من ملامح الانحطاط والتأخر، ويدعم رأيه بأن الدولة الإسلامية قامت بالإسلام، وأن الانحلال والضعف الذي نعيش به سببه الانفصال عن الدين وهدم العلاقة القائمة ما بين الدين والدولة، لكن الحقيقة الصعبة التي استيقظ عليها السلفي جعلته يتخلى عن التاريخ الذي طالما ربط أفكاره وحججه به، وهي حقيقة ابتعاد الحاضر والماضي عن الإسلام، وبذلك أصبح ينادي بفكرة إلغاء القوانين البشرية وسيادة القانون الإلهي.

وبسبب اعتماد السلفي على الممارسة النظرية لآرائه، انتزع الليبرالي التاريخ العربي منه، ولكنه أيضاً تخلى عن نموذجه (التمدن الأوروبي)، وبذلك توجهت الأفكار نحو البدء بالعمل من أجل حاضر ومستقبل أفضل، والبدء بهذا العمل دفع الليبراليين للأخذ بشعار "العلمانية"، التي نقلت الدائرة من العلاقة بين "الدين والدولة" إلى "الإسلام والعروبة"، عندها انطلق الخطاب السياسي من فكرة العلاقة بين الدين والدولة بالنسبة لمجتمع النهضة من خلال ما تم في الماضي وليس ما يتم في الحاضر، وانطلق الليبرالي من فكرة ضرورة فصل السلطة الدينية عن الروحية في دولة الغد، وهذا ما دفعه إلى العودة للبحث في دولة الماضي، كي يرتب العلاقة بين الإسلام والعروبة في التاريخ العربي.

من جانب آخر، كانت قضية الديمقراطية والأهداف القومية من أبرز القضايا التي طرحها الجابري، وكانت أكثر خصوبة من العلمانية، وعلى الرغم من اعتبار الديمقراطية إشكالية إلا أنها كانت شرطاً أساسياً لتحقيق النهضة العربية الحديثة، وبدأ ظهور هذا المصطلح كشعار من الشعارات الأساسية التي تبناها الفكر النهضوي العربي. ويعود سبب تبني هذا الشعار إلى الاحتكاك مع أوروبا، وقد حظي بقبول كبير رغم أنه أحد شعارات النهضة الأوروبية، ولم يعترض عليه رواد الفكر السلفي، لأنهم عدّوه تطبيقاً لمبدأ الشورى الإسلامية، ولكن الليبرالي رفض ذلك، لأنه رأى أن السلفي جعل الشورى والديمقراطية الأوروبية في المستوى نفسه، ذلك أن الشورى سلطة لفظية فقط، والشريعة يجب أن تؤخذ من لسان الفقراء حتى تكون أقرب إلى الإنسانية.

وقد واجه التياران منذ انطلاق شعار الديمقراطية مشاكل وخيبات أمل كبيرة، بعد التجارب البرلمانية التي شهدتها بعض الأقطار العربية، لأن من يأمر بتشكيلها له وحده حرية اتخاذ قراراتها، لهذا فإن وجود هذا المجلس لا يشكّل أي فارق يُذكر عن عدم وجوده.

إنّ الغوص في أطروحات الجابري والتعمق في الحديث عن الخطاب السياسي يجعلنا مدركين لحجم التعقيد الذي نواجهه في هذه القضايا؛ فقضية العلاقة بين الدين والدولة تضاربت فيها الكثير من الآراء، وتواجه فيها الليبرالي مع السلفي، وكل تيار يدعم رأيه بقواعد استُمدت من الماضي، ولكن التفكير العقلاني يقودنا إلى القول إن الحاضر مختلف عن الماضي، ولا يمكننا الاعتماد بشكل دائم على تجارب الحضارات السابقة، فقد تصيب في بعض الأحيان، وقد تتسبب في إشكاليات كثيرة في الواقع الحالي، ولكنّ هذين التيارين يصعب أن نجمع بين أفكارهما، فكل منهما يرى في الابتعاد عن الأمر الحل الأمثل، والآخر يرى في الالتزام به الحل الأمثل لما نمر به، وقد توسعت هذه الدائرة حتى طالت الإسلام والعروبة ولم تكتف بالعلمانية، وهذا ما نراه جلياً في الأفكار التي يتبناها التياران.

ما زال الصراع مسيطراً بين الليبرالي والسلفي، حتى في قضية الديمقراطية والأهداف القومية، فتحقيق الأهداف القومية يعتمد على تطبيق الديمقراطية بشكل كبير، كي نستطيع صناعة ما نطمح إليه من نظام سليم، ولكن الاختلاف في التفكير يعيدنا إلى نقطة الصفر، وكذا الاختلاف في التوجهات الفكرية يبقينا داخل دائرة نرى فشلها من خلال المجالس النيابية والتشريعية التي لا تمتلك من أمرها شيئاً حتى لا تمتلك حرية إبداء آرائها في قضية أو محور اجتماعي يعمل على النهضة التي يطمح إليها الخطاب السياسي. ومهما كانت العلاقة معقّدة في فهم طروحات أطرافها وآراء مفكريها، فلا بد من السعي إلى النهضة ومعالجة السبب الرئيس، المتمثل في ضعف الكتابة في السياسة والآراء السياسية التي يمكن أن تكون حلّاً جذرياً للعقل العربي ونظرته للسياسة وطريقاً واضحاً من أجل الوصول إلى النهضة التي تلغي فكرة "الشك بأن هناك شيء لم يتحقق".