محمد الثاني أبو حمد

ما من شك في أن د.محمد عابد الجابري يعدُّ أحد أبرز المفكرين العرب، لأسباب عديدة، أهمها أنه أطلق مشروعاً نهضويّاً عربيَّا نظريّاً (نقد العقل العربي)، وخلق به نقاشاً وجدلاً واسعين منذ طرحه، وكذلك هناك إجماع واضح من المفكرين والنقاد العرب على أنه قد نجح في الربط بين التراث والحداثة، لأصالة أفكاره وتعدد مصادره ورصانة منهجيته؛ لهذا حظي مشروعه بمساحة واسعة في الوسط الثقافي النقدي العربي، لا سيَّما أنه قد تجشَّم عناء مواجهة العقل العربي ونقده وآلية تفكيره.

مهَّد الجابري لمشروعه في كتابه "الخطاب العربي المعاصر"، فعرض فيه للجهاز المفاهيمي الذي استخدمه في بناء تصوراته للوصول إلى رؤيته المعالِجة، لكونه العتبة التي انطلق منها فكر الجابري، ونادى فيه بضرورة إعادة النظر في الخطاب العربي المعاصر ونقده، من خلال العودة إلى الفكر النهضوي، لأنه ما زال يعاني من صعوبة تحقيق النهضة رغم مرور أكثر من قرن من الزمن على تدشينه، فالفكر في العالم استطاع التقدم خطوات سريعة، وتمكَّن من تطوير الحياة البشرية، إلا أن العرب ما زالوا دون طموحهم بكثير. يقول في ذلك: "إن الواقع الكئيب الذي افتتح به العرب ثمانينات هذا القرن (العشرين) ليطرح بجدّ مسألة ما إذا كان العرب قد تقدموا خطوات سريعة أو بطيئة إلى الأمام، أم إنهم بالعكس من ذلك؛ يغالبون دون أمل الخطى التي تنزلق بهم إلى الوراء".

حاول الجابري على امتداد مشروعه تشريحَ العقل العربي، فبدأ من قراءة الفكر العربي في المشرق وحلّله بدراسته تحليلية نقدية، وبحث في كيفية تحويل هذا الفكر من حالة التشتت إلى حالة الوحدة؛ لأن المشكلة الرئيسة في نظره تكمن في توحيد الفكر العربي بشكل عام، وقد انطلق في بناء مشروعه من تساؤلين مهمين، هما: ما الذي جعل الفكر العربي عاجزاً عن إدراك الواقع وفهمه؟ وما الإشكال الذي أحدث فجوة واسعة أعاقت عملية النهضة مع الأفغاني ومحمد عبده؟

لذلك، فإن القضية اللافتة التي تنبه لها الجابري هي أن الفكر العربي -على اختلاف مذاهبه وتعدد مشاربه- قد صرف النظر بعيداً عن نقد العقل العربي وأغفله، ما جعلنا نفقد القدرة على رؤية الواقع وفهم الذات والآخر، وبالتالي أفقدنا القدرة على تبادل أشكال الفكر، وهذا تحديداً ما جعل منهجه في المشروع واضحاً؛ فهو لم يكن منهجاً سياسيّاً أو اقتصادياً، بل إنه دخل من باب الأبستمولوجيا، فقد رأى أن النهضة لا يمكن أن تتحقق دون نهوض العقل بوصفه آلة إنتاجها، مما تطلَّب منه الوقوف على ما يلزم الفكر العربي كي يتمكن من إنتاج نهضة حقيقية فعَّالة. وحتى يتوصَّل إلى المطلوب، كان لا بد من نقد العقل العربي والبحث في تاريخه وتكوينه وبنيته، لرسم مسار معرفي واضح له، على اعتبار أن عميلة النقد ذاتها جزء أساسي ومهمة أوليَّة في كل مشروع النهضة، فمشروعه لم يكن مجرد سرد تاريخي لمراحل تكوين العقل العربي، وإنما كان مشروعاً غايته إنهاض العقل العربي، وهنا يقول موضحاً أهمية عملية النقد: "نحن لا نمارس النقد من أجل النقد، بل من أجل التحرر من كل ما هو ميت أو متخشّب في كياننا العقلي وإرثنا الثقافي".

لقد قدّم الجابريّ مشروعه في رباعية شهيرة، نلحظ أنه كرّس جهده في الجزء الأول منها للبحث في بداية نشأة العقل العربي ومراحل تكوينه، ووقف على عدد من التساؤلات، أراد من خلالها الرجوع إلى مرحلة بدء الثقافة العربية:

- ما المقصود بالعقل العربي؟

- ما علاقة الثقافة بالعقل العربي؟

- ما طبيعة حركة هذه الثقافة، وكيف يتحدد زمنها؟

والناظر في مشروع الجابري يجده يذهب إلى أن مرحلة تدوين القرآن الكريم وتفسيره وتأسيس علوم الفقه وأصوله هي مرحلة تكوين العقل العربي والإطار المرجعي له، بمعنى أنها بداية تكوين النظام المعرفي في الثقافة العربية الإسلامية التي زعم أنها تقوم على اللغة والبلاغة، أي البيان، وهو بالتأكيد ما يتعارض منطقيّاً مع موقف الإسلام؛ فمن المعروف أن الإسلام لم يلغِ كل الأفكار والقيم والعادات التي كانت سائدة قبل مجيئه، بل أبقى على الكثير منها وتبناها، بدليل أنه -على سبيل المثال لا الحصر- لم يُحرّم الشعر، بل نظَّمه بما يتوافق معه، وبهذا يؤخذ على الجابري بالطريقة التي حصر بها مرحلة التكوين، على اعتبار أنها تحدّ من قيمة العقل العربي وقدراته.

ورأى الجابري أن الثقافة العربية قد تشكَّلت في عصر تدوين القرآن الكريم وجمع الحديث الشريف وتفسيره وتأليف التاريخ الإسلامي وتأسيس علوم النحو وقواعد اللغة، وبناء عليه تشكَّلت الفِرَق والمذاهب الإسلامية، وأن هذه الثقافة اكتملت في ذاك الوقت وما زالت ذات زمن راكد، وبالتالي فإن تكوين العقل العربي وبنيته ما زال سائداً في ثقافتنا حتى اليوم، فيقول: "هذا الزمن الراكد يعيشه الإنسان العربي دون أن يشعر بأي اغتراب أو نفي في الماضي عندما يتعامل فكريّاً مع شخصيات هذا الماضي، وبالتالي فالعقل العربي إنما تشكَّل كياناً وثبتت أركانه وتعيَّنت حدوده واتجاهاته خلال عصر التدوين"، فضلاً عن رؤيته بأن الإنسان البدوي العربي هو أداة الثقافة العربية الأولى، ذلك أنها قد نشأت دفعة واحدة في ذاك العصر بهدف الحفاظ على قراءة النَّص القرآني، بالقياس والاستناد إلى السماع العربي، فكان الأعرابي المرجعية الأولى لأهل المعارف والعلوم، واستدل على ذلك بأن الآليات الذهنية التي اعتُمدت في نشأة العلوم والثقافة بشكل عام قامت وارتكزت على السماع إلى الأعرابي.

وبشكل عام، يمكن القول إن الجابري قد التقى في فهمه التراث العربي والإسلامي في الحاضر مع كثير من المثقفين والمفكرين والنقاد العرب، وشكَّلوا إرثاً نقديّاً له، أمثال محمد أركون وأدونيس، وهو كغيره منهم رأى أن حال هذا التراث صعبة، فلا تسير فيه الحداثة بمسارها الحقيقيّ.