حمزة أمين

عمد محمد عابد الجابري في كتابه "الخطاب العربي المعاصر" إلى إظهار ضعف الخطاب وإبراز أهم عيوبه وثغراته، وأراد تبيين صورته المفككة؛ فقد صنَّف الخطاب العربي المعاصر إلى خطاب نهضوي وخطاب سياسي وخطاب قومي وآخر فلسفي، جميعها تدور حول فلك واحد، هو فشل الخطاب العربي الحديث والمعاصر من إيجاد أيديولوجيا واحدة يركن إليها.

وقد تمحورت كل قضية بحسب تسلسلها الزمني لإبراز التطور الذي طرأ عليها خلال المائة سنة الماضية، ولكن الخطاب العربي ظل سجين البدائل، وظل دائراً في فراغ كبير، فلا يتقدَّم بذلك من جهة، وينتهي به المطاف إلى رميه على المستقبل أو عزوفنا عن حل المشكلة فنعامله كزمنٍ ميت من جهة أخرى، غير أن السبيل إلى تحقيق الذات العربية وإعلان استقلالها التام هو التخلص من النماذج المطروحة أمام النهضة العربية، وهما النموذج الأوروبي والنموذج العربي الإسلامي، أو التراث والغرب، الذي لا يقبل أحدهما التنازل على حساب الآخر، وليس لنا إلا أن نتحرر من هذه النماذج؛ فلا ننتظر سقوط الغرب حتى نحقق نهضتنا، ولا إلقاء التراث في سلة المهملات والعزوف عنه، بل تحقيقه وإعادة هيكلته في نفوسنا، لتحضر الذات العربية ذاتاً مستقلة بعيدة عن تبعية الغرب، ذاتاً لها تاريخها وكينونتها الخاصة بها.

ويمكن إيراد أبرز خلاصات الخطاب العربي المعاصر على النحو الآتي:

أولاً: إن العصور الوسطى عصور انحطاط، وفي الوقت نفسه رأى الجابريّ أن الفكر العربي الحديث المعاصر زمن ميت أو أنه يعامَل كزمن ميت.

ثانياً: إن سبب تأخر النهضة العربية هو الوعي العربي المحصور أمام نموذجين؛ إما النموذج الأوروبي أو النموذج الإسلامي.

ثالثاً: قارن الجابري بين الخطاب العربي المعاصر من محورين، الوعي العربي الليبرالي متأثراً بالنموذج الغربي، والوعي العربي السلفي متأثراً بالنموذج الإسلامي.

رابعاً: لا بد من إعادة توظيف التراث وتجديده للذات العربية المستقلة بعيداً عن تبعية الغرب، وليس تكريس الجهود لهدمه.

خامساً: إن النهضة العربية ليست واقعاً عشناه، وإنما مشروعاً للمستقبل، بُني بالوجدان ولم يطبَّق على أرض الواقع.

سادساً: إن الخطاب النهضوي العربي لم يستطع إعطاء مضمون واضح ومحدد على امتداد المائة سنة الماضية.

سابعاً: إن الخطاب النهضوي لم يستطع التقدم ولو لخطوة واحدة على طريقة صياغة مشروع نهضة ثقافية.

ثامناً: إن الخطاب السياسي بقي طوال المائة سنة الماضية يحاول المعادلة بين طرفين متناقضين؛ كالدين والدولة، والإسلام والعروبة، وحقوق الأقليات وحقوق الأغلبية، والديمقراطية والأهداف القومية.

تاسعاً: إن الخطاب القومي -رغم وفرة الأقلام المخلصة- لم يستطع بناء نظرية قومية، وإنما ظل سجين معادلة مستحيلة الحل (معادلة التلازم الضروري).

عاشراً: إن الخطاب الفلسفي في الفكر العربي المعاصر ظل مناقضاً لنفسه، لطموحاته ومبررات وجوده، وما زال عالقاً بين التراث الفكري العربي والفكر الأوروبي.

لقد تركت محاولات النهضة العربية طوال المائة سنة الماضية آثاراً لا حصر لها، لا سيما أن العقل العربي مؤطر بتراثه الذي يحتويه، فيُفقده استقلاله وتفكيره بعقل العصر، ويظل ينظر إلى المستقبل بعقل الماضي الذي يستمد من خلاله رؤاه، وبهذا فهو يقصر التفكير على التذكّر لينظر إلى تراثه متذكراً وليس مكتشفاً، أو التصاقه بالغرب التصاقَ المتحدي فينظر إليه بعقل السقوط المشروط لنهضتنا، الأمر الذي جعلنا منقادين لا قادة، وهذا يدل على أن وعي النهضة عند العرب يقوم على الإحساس بالفارق بين الانحطاط العصري وبين النماذج التي طرحوها هم أنفسهم على واقعهم.

إنّ من أهم المآزق التي وضعتنا بها النماذج التي طرحناها على أنفسنا، أن النموذج الليبرالي منافٍ جملةً وتفصيلاً للنموذج السلفي؛ فالنموذج الأول يرى أن النهوض يبدأ من شعار "فصل الدين عن الدولة"، والذي يراه النموذج السلفي هو الانحطاط نفسه، فالخطاب السياسي هو حبيس بين هذين النموذجين، وكما ذُكر سابقاً، فإن هذا الخطاب حاول الموازنة بين طرفين يتسمان بالتناقض، وظل الخطاب السياسي طيلة المائة سنة الماضية يرفع المضمون نفسه الذي نشأ عليه، ولم يستطع أي نموذج من هذين النموذجين إخراج نفسه من عنق الزجاجة، حالهما حال الخطاب القومي والخطاب الفلسفي، اللذين لم يستطيعا إخراج أيديولوجيا واحدة على صعيد بناء خطاب متسق حول أي قضية من القضايا التي كانت جديرة بأن تطرح نفسها بنفسها، وظلت الإشكالية واحدة، محاولة التسوية بين نماذج متناقضة.