مؤمن سمير

(شاعر مصري)


(1)

أزاح الجَدُّ ابتسامتي وقالَ: مجرد أوراق.. الواحد منا مجرد أوراق.. قلتُ فلأضع كومة الورق التي هي أنا في طبقٍ كبير و أضعكِ برفقٍ يا حبيبتي يا مَنْ تشبهين مركباً ورقياً بديعاً يليقُ بالطوفان وبالسيول التي تهبط من الصنبور علينا فتغسلنا من أوهامنا وتخلقنا كتلةً واحدةً بألوانٍ معجونةٍ تحتاج فقط للقليل من الشمس حتى تتماسك وتبرُقَ أحضانها ويتناولها الولدُ فيتمزق لحمها بالتدريج فلا يجد بُدَّاً من أن يتركها في الطريق تنظر يميناً ويساراً بلا هدى.. وهكذا نبقى معاً يا حبيبتي للأبد.

ملامحنا واحدة وطريقنا واحد..

(2)

"الشجرة الكبيرة سعيدةٌ كعادتها". كان هذا حديثُ الغابة لأعوامٍ طوال.. كانت الغِربان قد استعمرت عظامها وأغصانها لكنها كانت تقول دائماً: هذه الأبواق القبيحة تجعل العاصفةَ تُحَوِّل مسارها فزعاً، فلا تسقط عني أوراقي.. حتى المطر، كان يختبئ فيَّ من الخوفِ والتشاؤم فأَرْتَوي أكثر من بقية الأشجار.. لكنَّ الشجرة فيما يبدو لم تعد سعيدةً كما كانت.. صارتُ تقول كل صباحٍ، بسببكم أيتها الظِلال السوداء هَجَرني العشاق.. قبلاتهم المختلسة كانت تجعل أعصابي تسكن وتنام وقلبي كان ينسى أيام المجاعة و يغني.. لكنَّ الأحبة الكبار غابوا في علبهم الضيقة وأصواتهم الخفيضة.. صاروا يأكلونَ ويشربونَ و يلوِّحونَ مرةً في العمر لذكرى تسقط بالصدفة.

من أي نافذةٍ عمياء..