أبواب - زياد عساف

لم تسعفهم الكلمات لاستخدام عبارات (التلطيش) لبنات الناس وراحوا يستعيرون بعض المقاطع الغنائية الشهيرة لهذه الغاية مثل: «أموت في دباديبه.. اّه يا ملبن ع جبينك ملبن.. ما تبطَل تمشي في حنِّية ليقوم زلزال»، ولعل الأخيرة كانت المؤشر على الزلزال الأخلاقي المدمر فيما بعد والذي بدأ يعصف في المجتمع جراء تنامي ظاهرة التحرش اللفظي والجسدي ما أدى لافتقاد الأمان عبر مسار الحياة اليومية ولم يتبق سوى فرض حظر التجول في بعض البلاد على غرار الاجراءات المتخذة للوقاية من وباء الكورونا مع أن هذا الفيروس بات يُعالج بلقاحات مكتشفة حديثاً، ولكن أي لقاح أو مطعوم يعالج هذا الوباء الأخلاقي الذي استفحل في العديد من دول المنطقة جراء عوامل وأسباب عديدة كان الغناء إحداها وعلى رأي هدى سلطان:«إن كنت ناسي افكرك!».

غزل بريء..

في البدء لا يمكن إغفال الدور الحضاري الذي قدمته الأغنية العربية في تناولها للعديد من القضايا الإجتماعية والسياسية والدينية، إلا أن صُنَّاع الأغنية أخفقوا في أخذ ظاهرة التحرش على محمل الجد لا بل ساهموا في تكريسها بقصد أو بدون نظراً لوقوعهم في خطأ قاتل حين أصبحت بعض الأغاني لا تخل من عبارات التحرش اللفظي باعتبارها نوعاً من الغزل البريء وتعبيراً عن الإعجاب والتودد ومقدمة لارتباط شرعي قد يكون مستقبلاً أو لا يكون، وليس مؤشراً لانحراف أخلاقي تنامى مع الوقت ليتحول لإيذاء جسدي بات يهدد الأُسَرْ والمجتمعات مؤخراً بعد أن ترسخ في أذهان كثيرين أن معاكسة الفتيات عبر صور غنائية لدرجة البذاءة أحياناً وكما حدث مؤخراً هو أمر طبيعي، علماً أن من كتب هذه الأغنيات ولحَّنها أو غناها لا يقبل أن تتعرض احدى محارمه لهذا الموقف تحت مُسمَّى غزل بريء أو إعجاب، وكانت هذه واحدة من الأخطاء أو بالأحرى الخطايا التي ارتكبها صُنَّاع الأغنية ما ساهم مع الوقت بإحداث تراجعاً ملحوظاً للقيم الإجتماعية والإنسانية بعد أن عاش الناس زمناً لم يكن هناك من يجرؤ على الإساءة لفتاة ضمن الحي أو الحارة لأنه سيتعرض حتماً لعلقة ساخنة لم ينالها «حرامي دخل جامع» كما يُقال في العامية.

صياد..

وتماشياً مع المثل الدارج: «خيبة الأمل راكبة جمل» بتنا فاقدي الأمل بقيام الأغنية العربية بهذا الدور خاصة عندما تناهى لأسماعنا أن هناك قضايا لا زالت منظورة أمام المحاكم لمطربين مشهورين بتهمة التحرش وعلى الجانب الاّخر مطربة يدفعها الحماس لتقديم أغنية فيديو كليب حول مخاطر هذه الآفة الإجتماعية الغريبة عن ثقافتنا العربية فتتعرض بدورها لمعاكسات بذيئة من قبل العاملين أثناء التصوير!، وكأنها لسان حال محمد رشدي وهو يرثي حبًّه الضائع: «صياد ورحت اصطاد صادوني!».

ترسيخ فكرة المجتمع الذكوري كانت واحدة من المظاهر السلبية التي روَّجت لها الأغنية العربية وأعطت الضوء الأخضر في أحقية الرجل بالتحرش بألطف الكائنات وبأشكال مختلفة تبدأ بالإشارة مثل: «الحلو بالفرندة شاورلي وبص لي»، أو بالسلام: يا حلو صبح يا حلو طل، والمطاردة لدرجة (كتم النفس) على طريقة فريد الأطرش في محاولة لنصب شباكه تجاه سامية جمال في فيلم «تعال سلَّم» 1951:"تطردني من باب جنتك تلقاني جتلك من الشباك»، وبعد اكثر عقدين من الزمن كرَّر فريد ذات الموقف مع ميرفت أمين في فيلم «نغم في حياتي» 1974: «حبينا.. وقعنا في الحب وقعنا.. وع درب الهوى ضعنا.. ياما وياما تلوعنا.. وياما وراكي مشينا»، ويجاريه في ذلك كاظم الساهر: «لاقعدلك ع الدرب قعود سمرا يام عيون السود»، لدرجة أن هذا النوع من المُطاردات خلق حالة من الإستياء لدى الطرف الآخر عبرت عنه صباح: «بعدين معاك؟!.. ان كنت أمشي من هنا.. تقول دي سكتي أنا"! وهدى سلطان: «على باب حارتنا الواد القهوجي.. بيجيب سيرتنا الواد القهوجي»، ثم سميرة توفيق: «بسَّك تيجي حارتنا تتلفت حوالينا.. عينك على جارتنا؟!.. ولا عينك علينا»، وقبل كل هؤلاء منيرة المهدية وهي تعلن تذمرها من رقابة الجيران: «إرخي الستارة اللي في ريحنا.. أحسن جيرانك تجرحنا».

عطشان يا صبايا..

اختلاق الأعذار والحجج الواهية كانت واحدة من مظاهر التحرش وإدعاء العطش من أقدم هذه الوسائل التي عرفتها البشرية كأن يطلب الشاب من الفتاة بأن تسقيه شربة ماء من البئر أو العين، ومن يتأمل هذه الأغاني التي خلَّدها التراث يكتشف في حقيقة الأمر أن الشاب متعطش للعاطفة والألفة وليس للماء، والأمثلة كثيرة بهذا الصدد ومنها الأغنية التراثية: «عطشان يا صبايا.. دلوني على السبيل»، وحكاية محمد رشدي مع عدوية: «اسقيني يا شابَة وناوليني حبًّة ميَه..إسم النبي حارسك إسمك إيه ردِّي عليا"؟، ومحاولة ناظم الغزالي التي باءت بالفشل:

"قلتلها يا حلوة ارويني

عطشان ميًه اسقيني

قالت لي روح يا مسكينِ

مينا ما تروي العطشان!».

غلطان بالنمرة..

في زمن التلفون الأرضي وقبل اختراع كاشف الرقم كان التحرش من خلال التلفون ظاهرة عامة ومقلقة في المجتمعات العربية، وهذا ما روَّجت له بعض الأغاني للأسف مثل أغنية صباح:

«غلطان بالنمرة أنا مش بيضا ولا سمرا.. أنا حنطية وعندي ولاد وعندي زوج بيسوا بلاد.. وبيتي في شارع الحمرا»، وفي حال مشابة غنت أمينة إدريس مع أحمد إسماعيل من المغرب:

- هذه النمرة: ستين ثلاثة واحد وخمسين؟..

- لا لا ماشي أنا يا سيدي.. النمرة غلط يا سيدي.

السؤال عن الوقت واحد من أساليب التحرش القديمة التي لجأ اليها الرجال أيضاً ويتذكر جيل الستينيات أغنية محمد سلمان الشهيرة: «يا ست قدَيش الساعة» التي حققت نجاحاً مُلفتاً آنذاك ونبَّهت الكثيرين لاتباع هذا الأسلوب، ومن الحِيَلْ الأخرى إهداء الورود لتحقيق الوِصَال وعلى طريقة توفيق النمري:

"ضمّة ورد من جنيتنا اخدها واهديها من عاشق لمعشوق

وبحجة الورود ياما بلكني احاكيها واطفي نار الشوق».

بعض المشاهد الغنائية في الأفلام القديمة حرضت بشكل غير مباشر على التحرش كأغنية (صدفة) و(حلو وكذاب) لعبدالحليم وهو يُطارد فاتن حمامة بفيلم (موعد غرام) 1956، وأغنية (شحَّات الغرام) التي جمعت ليلى مراد ومحمد فوزي في مشهد مشابه من فيلم (ورد الغرام) إنتاج 1951.

إستباحة..

إستباحة التحرش بالفتاة لمجرد سيرها وحيدة في الليل أصبح وكأنه حق مُسلَّم به لبعض محدودي الأفق من الرجال وترجمته ليلى نظمي في واحدة من أغانيها ومطلعها:

«في الليل لوحدي في طريقي وانا ماشي.. سهَّاني الحليوة وقال لي كلمة وتنُّه ماشي»، وهذا ما ينطبق على المرأة التي تظهر بكامل زينتها حسب رؤية هذه الفئة المستهترة من الناس لدرجة اعتبارها فريسة سهلة، واستمعنا لأغانٍ كثيرة ترسِّخ هذا الخلل في طريقة التفكير بدلاً من معالجته، وهذا ما يؤكده هنا نصري شمس الدين:

«لما شفتا عرفتا لحقتا..

وما بعرف مدري من وين

كانت جايي ومحلايه

وعم تتمخطر ع الميلين!».

اللي بتقصَرْ تنورة..

وبعد أن أتحفنا بعض مطربي زمان بأعمال تتغنى بصفات واخلاق المحبوب كرائعة كوكب الشرق على سبيل المثال وهي تعدد جمال صفات المعشوق من قصيدة الأطلال:

«واثق الخطوة يمشي ملكاً.. ظالم الحسن شهي الكبريا»، وبعد هذا اللون الراقي من الغناء بتنا نستمع لحالة من التحرش الغنائي بصاحبة التنورة القصيرة:

» اللي بتقصَر تنورة تلحقها عيون الشباب

وهيي بحالا مغرورة

وشوفه ترد الشايب شاب

والختيارة فرفورة».

خفيف الروح..

لا يختلف إثنان أن غمزة العين حركة بذيئة، ومع ذلك يحتفظ أرشيف بعض الإذاعات العربية بأغانٍ تُشجَّع على هذا السلوك غير الحضاري، ففي عشرينيات القرن الماضي غنى سيد درويش لخفيف الروح:

«غمزلي مره بعيونه لقيت الحب مضمونه

حرام ان كنت أنا أخونه وعشقي له من الواجب».

وفي الستينيات غنَّت صباح من ألحان فيلمون بفيلم (معبد الحب) 1961:

«دق الباب فتحتله.. أهلاً وسهلاً قلت له.. صار يغمز لي هيك هيك.. صار يضحك لي هاه هاه ها!».

تناول العديد من الباحثين ظاهرة التحرش عبر العديد من المؤتمرات وورش العمل من منظور أن هذا السلوك مرتبط بالرجال وأن المرأة هي الحلقة الأضعف، ومن النادر الإشارة أن بعض النساء والفتيات يقدمن على مثل هذا الأمر وإن كان بشكل خفي وغير مباشر أغلب الأحيان، الأغاني العربية أعطت الضوء الأخضر للمرة الثانية وساهمت بالتشجيع على مثل هذا التصرف بإعتباره نوعاً من الدلال الأنثوي ومناكفات نسائية بريئة أكثر منها تحرش ومنها ما جاء على شكل إلقاء التحيَّة والأمثلة كثيرة أيضاً مثل صباح وهي تمسِّي على الحلوين:

"مسا الخير يا سيد الحلوين.. مسا النور يا عيون سارحين.. مية مسا ع اللي مش سائلين»، فيروز: «يسعد صباحك والمسا.. يا للي ما بترد المسا» ولطيفة التونسية: «يا سيدي مسِّي علينا أو حتى لمَّح بكلمة».

ما بتلقى غمزة..

ووصلت الأمور أن توجه المرأة عتاباً لرجل خجول لا يبادلها المشاعر في هذه المقدمة الغنائية للمطربة نازك :

«ليش بتستحي مني وعنك ما بتطمني.. كل ما عيوني التفتت ليك.. بتخبي عيونك عني»

ومن ينسى جرأة شادية في هذه المعاكسة التلفونية الغنائية:

«مخاصمني بقاله مدة.. وفي ليلة الشوق ناداني.. كلمته سمعت حسه وقفلت السكة تاني»

وفي جرأة غير معهودة غنت كلودا الشمالي:

«راحت عليك.. إذا في عينيي وعلَّقتك فيي.. كيف لو بكرة إيدي لمست إيديك»، وعن الغمزة النسائية العابرة للقارات غنت نجوى كرم:

"ما بتلقى غمزة وحياتك لا ما بتلقى..ان غمزتك يا روحي غمزة بدك تعلق أكبر علقة!».

شاب حليوة أفندي ..

وفي ثمانينيات القرن الماضي استمع الناس لفاطمة عيد وهي تستعيد من التراث «التوتو ني» وعلى لسان امرأة تعلن تذمرها من التحرش ظاهرياً وتحبذه ضمنياً:

«حط إيده على فستاني.. دا أبويا ضابط سجَّاني.. يدرى بس صُعُبْ علي!»، وهذا هو حال فدوى عبيد في موقفها من التحرش:

"شب حليوه أفندي قميصه تفته هندي

قال لي بتروحي مشوار قلت له لأ ما بدَّي

وأنا بدِّي وأكتر ما بدِّي وبدِّي!».

لما بمشي ع الرصيف..

ومن الفيلم اللبناني (اّخر الصيف) إنتاج 1980 ظهرت مغنية إسمها ميشكا تسير على الرصيف بأبهى زينتها ويلاحقها رجال من مختلف الأعمار وتغني متباهية بهذا الإزدحام من المعجبين:

«لما بمشي ع الرصيف.. هيدا ناصح هيدا ضعيف.. بيلحقوني كلن كلن كلن وانا كتير بستحي كتير.. من عبده وحسني وعفيف.. لما بيطلَّعوا فيي كلن كلن كلن».

أما أن تصل الأمور بأن الرجل هو من يبادر لصُدْ من تتحرش به، هذا ما نجده في الأغنية التراثية القديمة من صعيد مصر: «بتناديني تاني ليه.. إنتي عاوزه مني إيه.. ما خلاص حبيتي غيري.. روحي للي حبيتيه»، ونستعيد أيضاً حكاية ملحم بركات مع المرأة التي هزَّت كبوش التوتة:

«البنت اللي بتحب الشاب

ما بتوقفله بنص الدرب

بعدك صغيره ع الحب

فوتي ع بيتك فوتي!».

السيد المدير..

خطوة جريئة ومهمة قامت بها المطربة المغربية نجاة أعتابو بتسليط الضوء على معاناة المرأة في العمل وما تتعرض له من تحرش من قبل المدير في المؤسسة أو الشركة، وكان هذا العمل بمثابة نقلة نوعية في تناول قضية التحرش التي لم يتطرق لها نجوم عصر الغناء منذ البدايات، وتوالت هذه النوعية من الأغاني وقدم الجيل الحديث من المغنين أعمالاً تنبذ هذه الظاهرة وتنبه المعنيين إلى مخاطرها بطريقة الفيديو كليب ومن هذه الأعمال:

«راحت فين رجولتك» غناء مراد نبيل، «مين السبب» للزاب ثروت ومنّة حسين، «كما تدين تدان» غناء حوز راب، «قطع إيدك» لرامي عصام و«أتحرش لا » للسادات وفيفتي.

أنا دولة..

لم توفق هذه الأعمال في إيصال الرسالة المطلوبة لأن معظمها قُدِّم بطريقة أغاني الراب التي تخاطب فئة عمرية معينة وليس كل فئات المجتمع، واستخدام الشعارات التقليدية واعتماد أسلوب الصراخ والرقص المُبالغ به مع عدم وجود رابط بين الرقص التعبيري وفكرة الأغنية أحياناً مثل أغنية (سالمونيلا) لتميم يونس، إذ وصل الأمر بالمجلس القومي للمرأة في مصر بمنعها لأنها قُدِّمت بطريقة خاطئة وكأنها تحرض على التحرش بدلاً من تنبيه الناس لمخاطره، وتبقى أفضل هذه الأعمال أغنية (أنا دولة) لمروة ناجي ومطرب الراب علي عرسان إذ تخللها أداء درامي مُعبِّر ومشاركة مروة كصوت من مدرسة الطرب الأصيل الذي يتقبله أغلبية فئات المجتمع.

الشايب لما يدلَّع..

ويبقى من الإيجابيات القليلة وبعد كل ما سبق ورود بعض الأغنيات التي تشير الى العادات السلبية المتعلقة بهذه الظاهرة، الفنان رفيق السبيعي وفي منولوج غنائي قديم في مسلسل «مقالب غوار» 1976 ينتقد الشباب «المتسكعين» حول مدارس الفتيات: «اقعود تحبّك..مين اللي وظّفك حارس قدام ابواب المدارس.. لسا بتلحقلي البنات وبدروسك مانك حاسس»، وأغانٍ أخرى تدين كبير السن المتصابي المتحرش كأغنية شادية «رنِّة قبقابي» وهي تصد (العجوز) الذي راح يعاكسها في الطريق:

«يا راجل انت اختشي.. مش عيب على عمرك؟!.. طب دا انت في السن ده.. تطلع يا دوب.. يا دوب جدِّي!!».

وعلى لسان فهد بلاَّن الذي يروي حكاية (الشايب لما يدلّعْ) بعد أن نسي تاريخ ميلاده وصدّته النسوة اللاتي اقتحم خلوتهن:

«جيت العب مع البيض.. ما لعبنِّي

قالولي وقتك راح وتعذَّرنَي

يا شيخ شوف الشيب ع الراس ملتم

تلعب معانا عيب وانت لنا عم؟!».