اختلف شكل الحياة الحالي عن السابق بصورة كبيرة، حيث ادى ازدياد العدد السكاني في المملكة الى التوسع العمراني بالشكل العامودي بتعدد الطوابق، في حين أضحى التمدد الأفقي قليلاً جداً نظراً لظروف اقتصادية ومتغيرات جديدة فرضتها طبيعة الحياة.

الصدمة التي تظهر نتيجة الحياة الجديدة، تتمثل بعدم وجود ضوابط أو قوانين تحكم قاطني العمارات، ما يبدد أحلام العديد ممن تعب وكد حتى يؤمن «شقة العمر» بعد أن عاش ظروفاً صعبة لتأمين مقدم عقد الشقة قبل أن يلتزم سنوات عديدة بتسديد «كمبيالات» شهرية..فالأحلام قد تبخرت بغياب الأنظمة، لتعم الفوضى، ويصبح هم كل عائلة منّضبطة أن تغادر الشقة بأقل الخسائر.

الإشكالات في الفترة الأخيرة ارتفعت نسبتها، لأسباب تتعلق بأن البعض لا يرغب بدفع بدل خدمات وصيانة، وآخرين لا يرغبون بالدفع لحراس العمارات اللذين توكل لهم مهام عديدة أهمها النظافة، لتشتعل الخلافات وتخرج عن السيطرة، لتتطور إلى مشاجرات تستقر على طاولة الحكام الاداريين وفي المحاكم.

... التحول في صورة العلاقات بين سكان العمارات بات يشوبه نوع من التوتر العصبي والخلافات الحادة، وهو ما يجبر الجهات ذات العلاقة لـ سن قوانين وتعليمات للمساهمة بتنظيم تلك العلاقات بين أُسر تلك الشقق، دون ترك «الحبل على الغارب»، فهنالك أُسر لا تدرك المعنى الشمولي من التكاتف والتضامن اللذين يساهمان في تسيير أمور حياة الإسكانات ودونهما تصبح البنايات فوضى ومكرهة صحية.

..التطرق إلى هذا الموضوع المجتمعي لم يأتِ من فراغ، فالتذمر ازداد من أفراد كثر أصيبوا بـ «نكسة» من سوء حريّة تصرف بعض الجيران دون وجود مراقبة أو متابعة أو عقود واضحة في ما يتعلق بالأمور التنظيمية للاسكانات، حتى أن من أصحاب الشقق أصبح يصف بيت العمر «ببيت الجحيم»، فهو يعيش بقلق وتوتر دائمين، ويقضي أغلب أوقاته في تقديم شكاوى سببها نزاعات مع الجيران غير الملتزمين....في حين أن من أهالي العمارات من يلجأون إلى الصمت دون محاسبة المخالفين، وذلك لعدم رغبتهم بالدخول بالمسارات القانونية.

اللافت، أن الفكرة عن الشقق السكنية بدأت بالتغير وهو ما يضر بـقطاع الإسكانات في وقت بات التمدد الأفقي صعبا لتكلفته الباهظة، فالأغلبية تعتمد على الرواتب ولا يوجد لديهم دخل أضافي، بحيث تكون الشقة هي الحل الوحيد «لمنزل العائلة» الذي تغير شكله عن السابق.

من حيث المنطق تبدو عملية تنظيم الإسكانات سهلة، فهي لا تحتاج إلى عصاً سحرية، بل إلى إصدار تعليمات تنفذ فعلياً بحيث يكون التنسيق بين أصحاب الإسكانات والجهات المختصة «الحكام الإداريين» بتنظيم العلاقات بين قاطني العمارات بعقود رسمية، وإلزام المالكين والمستأجرين بدفع مبلغ شهري لأعمال الصيانة والنظافة والحراسة، وأن يكون لكل عمارة لجنة مهمتها الاشراف على الأعمال وتنفيذ القانون والنظام المعتمد من الجهات ذات العلاقة ليتم التخفيف على مراكز الشرطة والمحاكم والمحافظات التي باتت تتلقى الكثير من الشكاوى نتيجة سلوكٍ «فوض?يٍ» وغير مسؤول من مستأجر أو مالك لا يرغب بالالتزام بالتعليمات والأدبيات التي تربط الجيران من باب «الخاوة» أو «الحياء»... لذا التنفيذ أصبح ضرورة قصوى وليس فقط مجرد فكرة يتم دراستها وتوضع على الرف إلى حين تحول المشاجرات إلى جرائم لا قدر الله.