ابواب - غدير سالم 

نمتلك نحن البشر وسائل مختلفة للتعبير عن مشاعرنا وانفعالاتنا وحاجاتنا، وغالباً ما يكون ذلك عند الراشدين بالطرق اللفظية الشفوية الصريحة، إضافة إلى طرق غير مباشرة قد يتم تحويلها لاشعورياً من شكل إلى آخر. إلا أن طريقة التعبير عن هذه المشاعر والانفعالات قد تبدو مختلفة عند الأطفال خاصة الذين لا تؤهلهم قدراتهم اللغوية على التعبير الدقيق عما يشعرون ويرغبون في تحقيقه من حاجات، وحتى لو امتلك بعض الأطفال اللغة السليمة للتعبير إلا أن هناك الكثير من الأمور التي تمنعهم من التعبير الصريح عنها نظراً للقيود المفروضة عليهم ?ن الكبار.

لذلك كان الفن والرسم والتلوين في مراحل الطفولة المبكرة وسيلة فعالة لفهم مكنونات الأطفال ودوافعهم ومشاعرهم، حيث يفرغون على الورق ما يجول بداخلهم، ويرسمون أحلامهم وأمنياتهم، ومستقبلهم الذي يريدون، وبالتالي تحقيق التواصل معهم.

وتقول مها الطاهات المتخصصة في الإرشاد النفسي : كثير من الأطفال يشرد بذهنه عندما يمسك القلم، ويبدأ بالرسم، لكن ما لا نعرفه، أنّ الطفل يرسم ويعبر عما بداخله، وعما يفكر ويجول بخاطره، مهما كانت وضعيته، أو نفسيته الداخلية، أو مكان جلوسه، لكن رسوماته لها دلائل كثيرة جداً، إذ تعبّر عن شخصيته، وعن نفسيته، وعن طموحاته، وعن ما يفكر به، وعن أحلامه المستقبليّة والحالية، وعن ما يكرهه».

وتضيف :ترتبط رسومات الأطفال بالشخصية ارتباطاً وثيقاً، حيث تدل رسومات الأطفال على حالتهم النفسية، وما يعانونه من مشاكل داخلية، ويساعد أطباء التحليل النفسي على أن يستدلوا على مشاكل الأطفال النفسية من خلال تحليل رسوماتهم العفوية والتلقائية، فالرسم من يسار الصفحة ثم التدرج إلى اليمين، يدل على حالة مرض الطفل، والحاجة للحنان والرعاية من أهل، ورسم صورة الأم كبيرة، وصورة الأب صغيرة، فهذا يعني أن الطفل يرى بشكل واضح سيطرة شخصية الأم وتسلطها على والده، أو على المنزل، وضألة دور الأب في تربية الأبناء».

وتتابع :» والرسم في حضن الأم بشكل متكرر، يدل على أنه يفتقر إلى الحنان،و إذا رسم الطفل الوجوه القبيحة، فذلك يدل على الكره وكثرة الخلافات الأسرية التي يعيش فيها، وإذا رسم والده أو أخيه بوجه قبيح، فهذا يدل على أنه متضايق منه ويكرهه،و رسم الوجوه الجانبية يدل على صعوبة إقامة علاقات مع الآخرين ».

وتبين الطاهات : رسم الوجه أو الحزين يكون تعبيراً عن مشاعره الحقيقية في هذا الوقت، وعلى عدم القدرة على التعاون مع الآخرين،و رسم الأشخاص بلا وجوه يدل على انعدام الهوية، وعدم شعور الآخرين بوجوده، أما رسم العين يدل على شعور الطفل بانه مراقب».

وترى الطاهات أنه : يمكن تحليل الشخصية بناءً على حجم العيون فالعيون الصغيرة يعتبر صاحبها بأنه شخص انطوائي،و العيون المتوسطة يمتاز صاحبها بنسبة ذكاء متوسطة، أما العيون الكبيرة فيمتاز صاحبها بشخصيته العاطفية والمبدعة، ورسم الوجه دون عيون يدل على عدم حب الاختلاط بالآخرين، ورسم العين خلف النظارة يدل على الإنطواء على الذات، ورسم الطفل جسم الإنسان دون أيادٍ أو أرجل يعني أنه لا يعرف كيف يتصرف، و رسم جسم الإنسان مع الأيادي كبيرة الحجم يدل على أن الطفل سرق، أما إذا كان رسم الرأس بحجم كبير، فذلك يعني أن لدى الطفل أفك?راً كبيرة، وإذا رسم الرأس بحجم صغير، ذلك يدل على أن الطفل خجول».

وتتابع : و إذا رسم الفم بحجم كبير مع بروز الأسنان أو رسم الأيدي طويلة، فذلك يدل على أن الطفل عدواني،و في حالة رسم الفم المفتوح، فذلك يدل على أن الطفل ثرثار وكثير كلام،و إذا رسم السيارة، ذلك يدل على حب الطفل للتنقل،ورسم الدرج والسلم ذلك يدل الى أن لدى الطفل تفاؤل ونظرة علوية،و رسم الحيوانات يدل على أن الطفل يحب مساعدة الآخرين، وإذا رسم نفسه صغيراً مقارنة بالآخرين، ذلك يدل على أنه غير واثق بنفسه ومن قدراته الشخصية، أما إذا رسم نفسه بحجم كبير مقارنة بالآخرين أو رسم رقبته طويلة، فذلك يدل على اعتزازه بنفسه وتقد?ره لذاته، وقد يكون مغروراً بنفسه ».

وتنوه الطاهات إلى أنه : يجب دائمًا مراقبة رسومات الأطفال فإذا لاحظت الأم انعكاسًا في رسومات الطفل أو اختلاف طريقة رسمه بصورة مفاجئة، فإن هذا دليل على تعرض الطفل لمشكلة مباشرة أدت إلى اختلاف مشاعره».

وتقول التربوية المتخصصة في مجال الإرشاد والصحة النفسية نجوى حرز الله : بعد أن كان يعتمد طفلنا الصغير على الصراخ والبكاء والكلام بدأ بالتعبير عن نفسه وعن مشاعره بوسائل كثيرة وجديدة، منها الرسومات والألوان التي تبدأ بالخربشات فهويحاول إمساك القلم بعمر السنتين إلى أربع سنوات، وتكون خربشات غير مفهومة منها خطوط ودوائر لا تحمل أي معنى أو هدف، وعندما يتم تدريبه على مهارة مسك القلم التي تبدأ بعمر السادسة يبدأ يعرف ماذا يريد ان يرسم ».

وتضيف : ويبدأ الطفل يعرف ويدرك ماذا يرسم ولكن لا تكشف عن مشاعر معينة لديه فيحدث الآخرين بقصة فقط عن الرسمة إلا أنه بعد ذلك يدرك تماماً ماذا يرسم لأنه يعبر عن مشاعره وعواطفه (حزن او اضطراب او احباط، قلق، عدم امان، حرج او خوف،اي يعبر عن استجابته وتفاعله مع ما يمر به)، ويعتبر الرسم من الأدوات المستخدمة للكشف عن مشاكل الطفل لما لها دلالات تعطي مؤشر عما يعاني منه الطفل ».

وتتابع : والألوان تعطي دلالة واضحة على بعض الرسومات مثل استخدام الطفل اللون الابيض بحيث يدل على الراحة والرغبة في التوسع ويدل على السلام الداخلي وقدرته على التحكم بنفسه اثناء الغضب، أما اللون الاسود يدل على الخوف والانطوائية والعزلة والابتعاد عن الناس، واللون الاحمر يدل على جذب الانتباه وتصفية الذهن».

وترى حرز الله :هناك رسومات تروي قصة لدى بعض الاطفال وعلينا إعطاء الفرص دائماً للتعبير حتى يبدع اكثر في الرسم والتعبير، وبعض الرسومات لها دلالات معينة فمثلاًرسم الأذرع الطويلة تدل على القدرة أو الطموح، وعندما يرسم الاذرع ضعيفة تدل على حاجة الطفل للدعم، ورسم الطفل للعائلة لها دلالة على علاقة الطفل بأهله مثلا رسم الطفل نفسه بأنه قريب من اهله او بعيد عن اهله، ورسم الطفل لنفسه بحجم صغير ».

وتبين حرز الله أن :يعد الرسم أداة لتعديل سلوك الأطفال لبعض المشاكل مثل التبول اللارادي،ومص الاصبع وهناك عوامل تؤثر على طريقة الرسم عند الطفل منها: جنس الطفل، ورسم الاناث يختلف عن رسم الذكور، وذكاء الطفل فكلما كانت الرسومات أكثر تفصيلاً كانت لدى الطفل قدرات عقلية عالية، واذا كانت اكثر واقعية تدل على الذكاء المرتفع، بالإضافة إلى بيئة الطفل فكلما كانت بيئة الطفل عنيفة بالمثيرات كانت رسوماته اعلى وادق من الاطفال الذين يعيشون في البيئة المحرومة من المثيرات».

وتقول حرز الله : وتعد مهارة الرسم اداة ذات فاعلية للكشف عن الحالة الانفعالية عند الطفل لانها تتصف بالتلقائية المباشرة بحيث لا تضع حدود للطفل للتعبير، وتكرار بعض الرسومات لها دلالة كبيرة بأن الطفل يريد إيصال رسالة ويريد التأكيد عليها، وكلما زادت المفاهيم واللغة عند الأطفال يصبح لديهم القدرة على التعبير بطريقة أوضح وأسهل عندما لا يستطيعون التعبير بالكلام او بالكتابة لوجود بعض العوائق، وليس لعدم وجود مهارة الكلام والكتابة ». وتضيف :» ومن هذه العوائق الخوف من نتائج التعبير، أو لوجود اشخاص لا يقدرون ما يقول أو ?ا يأخذون الكلام بمحمل الجد، وهناك دلالات معينة فرسم الطفل لحضن الأم بشكل متكرر يدل على افتقاد حنان الام، ورسم الوجوه القبيحة يدل على الكره وكثرة الخلافات الاسرية، ورسم الوجوه الجانبية يدل على عدم القدرة باقامة علاقات مع الاخرين ».

وتنوه حرز الله : علينا دوما تحليل رسومات أطفالنا للتخلص من الخوف والقلق وحل المشكلة دون إزعاجهم بالأسئلة المحرجة أو مضايقتهم حتى لا يبتعدوا عن مهارة الرسم، ومن فوائد الرسم للطفل تطوير حركة اليد والتآزر البصري العضلي (حركة اليد مع العين) وقدرة الطفل على حساب المسافة بين الأبعاد المختلفة يعمل على تطوير مهارة الكتابة فيما بعد».

وأشارت دراسة حديثة إلى أن تحليل رسوم الطفل قد يكشف الخلل الأسري الذي يعانيه، ففي الأسر التي تعاني من الفوضى، رسم الأطفال أنفسهم أصغر حجمًا بكثير وأبعد من الآخرين، وهو ما يشير إلى شعور الطفل المتدني بذاته، كما حلّلت الدراسة المسافة بين الأم والأب بوصفها أحد الشواهد على شعور الطفل بالاستقرار الأسري، وقيّمت الدراسة رسوم أطفال في عمر السادسة، إذ إنه العمر الذي يصبح لرسومهم معنى فيه.

وتؤكد الدراسة مع ذلك أن الطفل في السنوات الأولى، قد يُغرم بلون معين لعدة أيام، فيملأ منه لوحته، لكن هذا لا يكون مؤشرًا لشيء ما، كما أن الطفل لا يعنى في هذا العمر أن يعبّر في رسومه عن الواقع، ولا يهتم بالتناسق بين الألوان، إنه فقط يشاهد التضاد بين الورقة البيضاء والألوان الأخرى، وبين الخامسة والسادسة من عمر الطفل يكون لرسوم الطفل معنى ومؤشر حول شعوره، على أن ملاحظة ذلك يجب أن تقترن بملاحظة سلوكه.