هدى أبو غنيمة

(كاتبة أردنية)


اعتدنا أن نقرأ سير العظماء الذين تركوا أعمالا أدبية أو علمية أو تاريخية عظيمة بعد أن أدوا رسالاتهم في الحياة، ولكن قلما أتيح لنا أن نقرأ عن سير أبطال الحكايات الصغيرة، الذين عاشوا غالبا على هامش التيارات الكبرى التي تعصف بالأمم. ولعل هؤلاء الأبطال أمثال قطع فسيفساء ثمينة لا تكتمل اللوحة الفنية إلا بهم.

موجز سيرة بطل الحكاية الصغيرة

في كتابها "هذا أبي" ا(المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2020)، وثقت د.رشأ الخطيب، بحس الأديبة ورؤية الباحثة، لأصول العائلة ولمحطات تجربة والدها ومسيرته العلمية والمهنية والأسرية، ثم وقفت على سيرة الأب في عيني ابنته وفي قلبها مندّاة بدمع الفقد ولوعة الغياب لتجعل مما عدّته -تواضعا- "هامشا"، متنا ممتعا وسيرة يرى فيها القراء ذكرياتهم. أوليست ذكرى الأحبة عمرا ثانيا؟

وُلد عبدالله الخطيب في عام 1938 لأسرة كريمة مصرية الأصول في قرية عنبة، وعاش طفولته كغيره من أبناء جيله في تلك المنطقة، واختلف صغيرا إلى دروس أبيه الشيخ عوض مع الصبيان يتلقى عنه مبادئ القراءة والكتابة والقرآن الكريم. ثم انتقلت الأسرة، بُعيد منتصف الأربعينيات، من عنبة إلى قرى أخرى في ناحية الكورة حتى استقر بها المقام في قرية بشرى في عام 1948. وكان عبدالله في العاشرة من عمره، فحمله أبوه إلى مدرسة العروبة الابتدائية الأهلية في إربد، التي أنشأها المربي محمود أبو غنيمة، ولم تكن الحال تسعف الأسرة

بتسديد القسط، فرحب به أبو غنيمة وأكرمه بقبول عبدالله طالبا فيها دون مقابل.

كانت المسافة بين قرية بشرى وإربد بضعة كيلو مترات، وكان عبدالله يقطعها يوميا مشيا على الأقدام، وذلك قبل أن يسكن إربد رفقة أخيه الأكبر "محمد علي"، وكانت إربد وقتها أقرب إلى بلدة صغيرة منها إلى المدينة التي صارت: "وإذا كانت العلاقة الطيبة والمعرفة السابقة، قد سمحت لمدير مدرسة العروبة الأهلية بقبوله بصرف النظر عن عمر المتقدم، فإن ذلك ما كان سهل المنال في المدرسة الحكومية التي كان الانتقال إليها قد أصبح ضرورة، لذا أضحت الحاجة ماسة إلى وثيقة تقدير للسن في عام 1950 تفيد بأنه من مواليد 1941، لأنه لم يكن يملك وثيقة تسجيل النفوس أو شهادة ميلاد، وبفضل ذلك تمكن أبي من الالتحاق يالدراسة الابتدائية في الصف الثالث، أو الرابع وفق تقدير السن الجديد مع زملائه الذين يصغرونه بثلاثة أعوام تقريبا. منذ اللحظة التي بدأ أبي يقطع فيها الطريق يوميا بين القرية التي يسكن فيها والبلدة التي يدرس فيها، انفتحت أمامه آفاق أخرى وشرعت أمام عينيه نوافذ واسعة لعلاقات جديدة وخبرات عززت استقلالية شخصيته في إربد، لأنه حين انتقل ليسكن مع أخيه الأكبر محمد علي فيها، عمل إلى جانب الدراسة في ورشة لجمع الحجارة من بعض الأودية، لاستعمالها في رصف الشوارع وتعبيدها، وكانت بعض العائلات آنذاك تدفع بأبنائها إلى العمل في سن مبكرة كي يعينوا أهاليهم على احتمال شقاء الحياة".

مع مضي السنوات الدراسية ونيله لشهادة لثانوية، وعلو نجم التعليم مع استقرار المملكة الأردنية الهاشمية، وضبطها وفق الأنظمة الحديثة، وحاجة الحكومة للإفادة من خبرات أبنائها وكفاءتهم لبناء الدولة الناشئة والمجتمع الواعد، أتيحت للشاب العصامي فرصة الحصول على وظيفة في سلطة الطيران المدني في عمان ليواصل رحلته نحو مستقبل مختلف عن المستقبل الذي عاشه أبوه وجده، استطاع خلاله تكوين أسرة وتحقيق حلمه في الدراسة الجامعية بعد عشر سنوات ليحصل على شهادة جامعية من الجامعة العربية في بيروت ومواصلة الارتقاء في عمله واكتساب الخبرات من خلال الالتحاق بدورات تدريبية متنوعة.

حفلت هذه السيرة بتفاصيل كثيرة، نستشف من خلالها صورا نابضة بالحياة لمجتمع كان في بدايات نموه يرتبط معظم أفراده بعلاقات إنسانية وثيقة على اختلاف أصولهم ومنابتهم إضافة إلى قيم العائلة المتماسكة المتحابة، فضلا عن أثر ذلك كله في تعزيز إرادة الإرتقاء بإرادة الحياة، لتصبح الحكاية الصغيرة حكايةَ إنسان عصامي مميز بسعة أفقه وأدائه لرسالته ودوره في الحياة.

قدمت لنا د.رشأ الخطيب، في كتابها هذا سيرة أب عظيم، وجعلت من التفاصيل الهامشية متنا ثريا.