د.نادية هناوي

(ناقدة وأكاديمية عراقية)


جرَّب الكاتب العراقي فؤاد التكرلي بين الأعوام 1969-1999 إدماج السرد بالحوار المسرحي، متفردًا بين الروائيين العراقيين والعرب، مسميا هذا الإدماج بـ"الحواريات"، وعرَّفها بأنها "بحث ملخص عن الحقائق عبر طرائق ملتوية تظهر أحيانا وكأنها تعتمد الوصول إلى الهدف"، مؤكدا إمكانيات التجريب في الحوار من دون الاستفراد به أو الاعتماد عليه وحده والتركيز على الصوت والحركة في بناء رؤية سمعية أو بصرية وبالشكل الذي لا يمركز الشخصية في السرد حسب؛ بل يمركز إمكانيات الحوار في تصعيد البناء السردي باتجاه الدرامية أيضا.

وقصْد التكرلي من وراء ذلك لم يكن تمثيليا، وإنما هو تطوير لتقنية المشهد التصويري ليرتفع إلى مستوى المشهد السردي، وبما يجعل اللحظة أكثر تفصيلا على مستوى الكتابة، مساويا زمن القصة بزمن الكتابة. وإذا كان هذا التجريب قد بقي محدودا عند التكرلي لم يسايره عليه كتاب آخرون؛ فلأن إمكانايات التجريب في هذا المجال كثيرة لا تعرف الاستقرار.

وبناءً على فكرة أن الرواية هي التاريخ ومؤلفها هو الشعب، ألّف الكاتب المصري السيد حافظ روايته "نيروزي والبنت وجد" التي تعود أحداثها إلى زمن المستنصر بن الظاهر أيام حكمه للقاهرة وأعوام المجاعة (1065-1070م)، وفيها وظف التداخل الأجناسي بين الرواية والمسرحية دامجا الحوار المسرحي بالسرد التاريخي صانعا مشاهد درامية، إذا علمنا أن المشهد (scene) يصنعه السارد بوجهة نظر محددة من صور ذهنية محتشدة تجعل بالإمكان الاحتيال على هذا المشهد لنقدمه على خشبة المسرح من دون أن تفقد الصورة المنطبعة في الذهن والتي كان على هذا المشهد أن ينقلها في الكتاب.

وكان "برسي لوبوك" قد حذَّر من إساءة استعمال المشهد في الرواية، طالبا من الروائي أن يضع في حسبانه أن الدراما هي "أعلى مصباح عند الكاتب الذي هو بمثابة الورقة البيضاء أو الدهان الأبيض عند المصمم، إذا أسرف في استعماله دونما حاجة؛ فإن ذلك يعني تبديد قوته في وقت تكون فيه تلك القوة ضرورية جدا، لذلك فإن النهج الاقتصادي يستدعي اختزانه أكثر وادّخاره لمناسبات مهمة"

وقد وجدنا في بعض مشاهد "نيروزي والبنت وجد" أن التعاقب من القصة إلى الحوار لم يكن تلقائيا في ضبط المسافة بين وجهة نظر وأخرى. لذلك أخفق التعاقب في تحقيق الإثارة والتساؤل عند القارئ، فضلا عن التفاوت بين العرض البانورامي والعرض المشهدي الذي انعكس على كيفية تطور الحبكة الروائية.

ويكثر في الرواية استعمال السارد العليم بضمير الغائب الذي يجعل لكل مسرد ممسرح زمانا ومكانا ويساند الساردَ العليم ساردٌ متدخل هو بمثابة السارد الظاهر، ومن تدخلاته قوله: "الحب الأول مثل سقوط قمر صغير على قلبك، فترتعش يداك ونبضك وينعكس ضوؤه على عينيك نورا"، هذا فضلا عن الإفادة من الحوارات المشهدية التي تجعل الشخصية في مواجهة مباشرة مع القارئ، واستعمال أسلوب كتابة الرسائل، التي سماها الكاتب "بردية قديمة"، وجميعها موجهة إلى النبي يوسف، في شكل عتاب أو شكوى او استنجاد، كما لا تخلو الرواية من فقرات تاريخية عن قلعة الموت وجلال الدين الرومي وحسن الصباح والإسماعيلية.

ويتقلص السرد مع تقدم الرواية ويتسع الحوار، كما يطرأ على الصراع في الفصل التاسع (مين يشتري مصر) تغير درامي تؤطره عجائبية البشاعة التي انتهت إليها أعوام الجوع حيث الناس يأكلون بعضهم بعضا: "حين اشتد الجوع بهم، فكروا في أكل لحم بعضهم". هذه العجائبية هي التي أظهرت الحاجة إلى تهشيم أجناسية الرواية، وبدءا من القرن العشرين تم ازدراء الرواية وإدانتها بوصفها نوعا أدبيا، وهذا ما يعطي كلمة "الرواية" معنى "اللا رواية" بالمفهوم ما بعد الحداثي، ويجعلها بحثا عن الرواية الجديدة التي نظَّر لها الفرنسي ميشيل بوتور وآخرون، كما طبقها إجرائيا في روايته "التحول" التي "تنحو لأن تصير رواية عن الرواية، أو بتعبير أفضل رواية تعكس ذاتها وتدمج في دائرة تشكيلها التفكير حول الرواية ووسائل الرواية"، وبهذا التصور ستغني كلمة "رواية" عن أي إضافة يراد منها التدليل على وجود تداخل أجناسي أو نظير نصي.

لكن النهاية بدت مفتعلة، فنهر النيل يفيض، ونساء مصر يقمن بأول ثورة في التاريخ على الخليفة المستنصر بالله ونظامه، والمؤرخون يزوّرون التاريخ كعادتهم إلا قلة منهم قاموا بكتابة أبشع زمن من الأزمان.

وعلى الشاكلة عينها في الربط بين السرد والتاريخ والرواية والمسرحية، تأتي روايتا السيد حافظ (كرسي على البحر) و(شهرزاد تحب القهوة سادة) عاكستَين الانحطاط الأخلاقي والاجتماعي الذي شهده عصر الامبراطوريات الكبرى، ليس ذلك فقط، بل سنلمس أن الشخصيات المعاينَة بدرامية تمازج الصوت بالصورة ذهنيا وبالاعتماد على التخييل والحدس مع محسوسية عيانية للواقع النصي.

وعلى الرغم من اتساع الحوار على حساب السرد؛ فإن المشاهد تظل درامية لا مسرحية، لتكون الروايتان غير قابلتين للتمثيل بالضرورة، بل التعدي سيكون ممكنا من الاستعارة إلى الرمز، جاعلا القراءة تغلب الفرجة ويصبح الصراع الدرامي زمانيا لا مكانيا. والسبب أن الفرجة تحتاج مشاهدا لا يكون له اهتمام مباشر بالمؤلف في الوقت الذي يتقدم فيه الحدث، وكأن حركة الحياة أمامنا تؤدّى بمعزل عن ذهن المؤلف الذي يسجل الأشياء ويدونها. بمعنى أنَّ الفارق بين الرواية والمسرحية اللتين هما مرئيتان، أن الأولى صورة، فيها المونولوجات تعكس ما يدور داخل ذهن الشخصية؛ والثانية دراما، فيها المشاهد تمثَّل مسرحيا. وكما في "نيروزي والبنت وجد"، سيتقلص السرد ويتسع الحوار في هاتين الروايتين، لتكون الروايات بمجموعها أصلح للمسرح منه للسرد، ثم لن تغدو التسمية (مسرواية) صالحة للتعبير عن التداخل الأجناسي، بل ستظل كلمة "الرواية" هي وحدها الملائمة لهذا النوع من الكتابة الدرامية التي فيها السرد حاضر بالرغم من تغلب الحوار.

وعلى صعيد الشعر، نجد أن العراقي مقداد مسعود قد استعاض عن قصيدة النثر بتسمية "الوحدة الشعرية"، وذلك في مجموعتيه الشعريتين "الأحد الأول" و"أرباض". والمعروف أن الوحدة نمط أبستمولوجي أو صيغة بنائية مكانها السطر والفقرة وأقل منهما وأكثر، ثم تكون كلمة "الوحدة" أصلح لوصف الاشتغال لا التقنين الاجناسي. ولعل الناثر استعملها كي يتغاضى عن مسألة التفاوت الشكلي في كتابته قصيدة النثر التي جمع فيها بين حقول سردية ومعرفية وتاريخية وشعبية شتى، دامجا القصة القصيرة والقصة القصيرة جدا والومضة والقصيدة القصيرة وكتابة النكتة والطرفة والأحاجي والألغاز والتناصات والأخبار بالمعلومات والتعريفات النحوية والحواريات واليوميات والمشاهدات والتسجيلات. من هنا، لا تتطلب الوحدة الواحدة شكلا محددا بقدر ما تقتضي وجود الانزياحات. ولا تعدّ الوحدة شعرية من دون العدول عن الألفة اللغوية للمحكي النثري إلى اللا ألفة الأسلوبية للمحكي الشعري، كما لن يكون لانزياح الوحدات منحى بلاغي من دون كسر أفق توقع القارئ أولا، وتحقق صدمة توصيلية آخرا، وستكون أساس هذه الصدمة المفارقة بأنواعها اللفظية والدلالية والزمانية والمكانية والساخرة وغيرها. وبالرغم من كل ذلك تظل تسمية "الوحدات الشعرية" مجرد تجريب إبداعي، لا يمكن منحه إلا صفة التوصيف وليس التجنيس.

بهذا يكون التجنيس قضية نقدية لا إبداعية، وأن البت في شرعية جنس مبتدع هي مسؤولية الناقد وليس المبدع، أمّا ما يقدمه القصاصون والروائيون والشعراء والمسرحيون من تداخلات تناظر بين جنس وآخر، فانه واقع في باب ابتداع الأنماط والتجريب في الصيغ.

وعند هذا الحد فقط تنتهي عملية الابتداع، أمّا ما يتلوها من تدشين الجنس وشرعنته نقديا فميدانه النظرية الأدبية، وعلى مقدار ما تتمتع به هذه النظرية من السيولة يتحقق توالد الأجناس كنظائر نصية للأجناس الكبرى أو الصغرى، ولا فرق عندها بين أن يكون النظير النصي تداخلا أجناسيا أو أن يكون ابتكارا نمطيا أو صيغيا.. والرواية وقصيدة النثر هما الأقدر على احتواء أجناس أخرى داخلهما، فلا تكتفيان بالتداخل وإنما تتممان الأمر بالعبور رسوخا وقوة، وبهذا تغدوان جنسين عابرين.