د.نعمان سعيد أبو عيشة

(روائي أردني)


من الصعب على القارئ تعريف رواية "انتقام النرجس" للكاتبة حنين رياض أو تصنيفها من ناحية المضمون، إذ يبدأ القارئ بالتساؤل: هل هي رواية بالمعنى الأعم، أم سيرة ذاتية بصيغة القصص القصيرة، أم هي دراسة نفسية لأبطال متخيلين في أماكن متعددة.

لا يستطيع القارئ أن يحرر نفسه من أن ربما كانت تحت تأثير نفسي داخلي أو عوامل نفسية خارجية، أو لنقل الاشتغال بأوضاع حضارية حاولت بها المؤلفة المرور على شاطئ تغيرات اجتماعية أسهبت في وصفها بقدر مطول قبل الدخول إلى متن الرواية وأحداثها الحقيقية.

الفكرة الروائية هنا يمكن اختزالها بشخصية البطل الواحد"يوسف" والبطلة "نور" التي تعرضت لحادث كاد يودي بحياتها وهي برفقة زوجها يوسف الذي استُخدم للعب دور الضحية وجرى استغلاله في مجرى السرد كمؤشر لكسر أحد التابوهات الاجتماعية، وهذا ما أظن أن الكاتبة قد رسخت عليه الفكرة لإظهار مرضه كمرض اجتماعي عائلي، متطرقة بذلك إلى موضوع النرجسية على الإجمال وموضوع النرجسية الخبيثة في نهاية المطاف. وهي محاولة لا تخلو من الصعوبة لدمج النرجسية كمرض ولشرحها للقراء كفكرة روائية.

كما هو معلوم، فإن المريض النرجسي يشكو من الإحباط، ومن الخوف، ومن مشاكل جنسية. وعلى الجهة الأخرى يَعُدّ النرجسي نفسه عظيماً ولكنه غير صدوق، "شَرّاني"، لا يثق بأحد، منفصم الشخصية ويحب الانتقام. وبهذه الصفات يكون النرجسي خطراً على نفسه وعلى عائلته وعلى مجتمعه. وهذا ما دعا سيجموند فرويد للقول:"إن فهمنا الشخصي للأمور يتراجع حينما نكون أحد رؤوس القطيع. وهذه الحالة تسمى (التراجع الاجتماعي) الذي يوصلنا ويوصل أيّ مجموعة من البشر إلى درجة منحطّة من التطور الإنساني".

منذ ما يقارب ستين عاماً يبحث العالم الأميركي نمساوي المولد (Otto Friedman Kern berg) في أعماق النفس الإنسانية، وهو أحد العلماء والمحللين النفسيين الذين حاولوا فهم بعض الأمراض النفسية التي بلغت من الغموض درجةً كبيرة، واتسمت بصعوبة التعامل معها، مثل "النرجسية الخبيثة". وقد حاول هذا العالِم أن يطور التحليل النفسي الكلاسيكي، حتى إنه استطاع أن يعالج العديد من المرضى الميؤوس من علاجهم.

المريض النرجسي ليس لديه القدرة على التعامل مع الآخرين، وهو يحاول الالتفاف حولهم وأحيانا بطرق ملتوية تُظهره وكأنه صديق حميم كي يوافقوه الرأي. والحق أن المريض النرجسي لا يستطيع بناء صداقات واتصالات مع أشخاص خارج دائرته الاجتماعية، وغالبا ما يكون ميالا إلى الغضب ومتوحدا، وهناك نرجسيون يصل بعضهم إلى حد الاكتئاب أو إيذاء النفس أو الآخرين. فالنرجسي يؤمن أن الكل مذنبون في حقه.

إن الشخص الذي يكتب متعطشٌ إلى التعبير عن الذات والاعتراف بها من قبل الآخرين، وهو يميل ليكون في وضع تتلبسه فيه العظمة. إن شخصا كهذا لا تمكن مساعدته إلا بتطوير قدراته التقنية والميكانيكية الثقافية لاحتراف الكتابة في مؤسسة متخصصة بهذا النوع من الدراسات، لتحريره من أحلامه أولا، إلا إذا تحولت هذه الأحلام إلى حقيقة.

لا شك أن "انتقام النرجس" (الآن ناشرون وموزعون، 2020) عمل روائي مكتمل، يتسم بالطول والإسهاب والإمتاع، ولا شك أن الكاتبة حنين رياض تتمتع بنفَس روائي طويل، وهذا ما يبشّر بخير. ويبدو أن الكاتبة تريد إيصال فكرة النرجسية بمعناها النفسي ولكن بشكل روائي مبسط للقارئ، فخرجت برواية يفهم منها المتلقي بعد أحداث عدة، أن ماهية النفس الإنسانية ما هي إلا مذاقات عقلية مختلفة يشذّ بعضها ليصب في نوع من أنواع النرجسية الحميدة أو الخبيثة.

"انتقام النرجس"، الرواية الأولى لصاحبتها، وهي تجربة روائية زاخرة بالرومانسية الشبابية، ملخصة في تجربة البطلة التي عاشت في طفولتها حياة قاسية امتدت حتى مرحلة الشباب وما بعدها.

مختصر الاحداث في الرواية أن فتاة جامعية تفيق من غيبوبة، فتجد كل ما حولها قد تغير وأنها أصبحت تعاني كابوسا يزيد من معاناتها، فتحاول بكل ما لديها من قوة وذكاء التخلص من هذا الكابوس بعد ان وجدت أن كل من حولها يحاولون الاستمرار في لعبة الإخفاء، وهم يظنون أن ذلك التصرف سيحميها من صدمة نفسية، ولكنها في النهاية تتوصل إلى حقيقة أنها هي الضحية بسبب الخداع المتراكم حولها، فتقرر أن تقوم بالثأر لنفسها ولأحبابها.

لقد سُلط الضوء في مسيرة السرد على الأوضاع النفسية لبطلة الرواية، حيث تتولد من معاناتها اضطرابات نفسية تنتقل في مجرى الرواية من صورة إلى صورة ومن حدث إلى آخر بصورة متسلسلة وبلغة سردية ممتعة، خاصة أن الرواية هنا قد اعتمدت القص في الوقت الحاضر والرجوع أحيانا إلى أحداث الماضي لتضفي على العمل تشابكا يعود بالقارئ إلى الماضي مع عدم إهمال الحاضر. ولعل الحوارات الرومانسية بين البطلة وحبيبها أضفت بظلالها على العمل الروائي بأكمله في وقت كانت تتعرض فيه البطلة لخداع نفسي جعلها في النهاية تصر على الانتقام.