عمان - سائدة السيد

أكد عاملون في مصانع لـ «الرأي» ان أصحاب العمل طالبوهم بتلقي لقاح فيروس «كورونا» المستجد او تقديم استقالتهم في حال عدم أخذه، معتبرين ذلك تقييدا لحريتهم وتهديدا لعملهم، خصوصا انه لم يصدر لغاية الان قانون يجبرهم على ذلك.

وفي الوقت الذي لجأت فيه بعض الدول الى فرض اللقاح قانونيا، والشركات الى مطالبة موظفيها بالتطعيم، سواء كان بالإجبار او اتباع اجراءات اقل حدة كإقناعهم، اكد متخصصون وقانونيون لـ «الرأي»، انه لا يجوز فصل الموظف من عمله كونه لم يأخذ المطعوم لعدم صدور قرار في ذلك بالمملكة، والحرية الشخصية يفترض ان تكون مصونة، علما ان تلقي اللقاح يوفر فرصا أفضل للعودة التدريجية للنشاطات الاقتصادية، وفتح القطاعات المختلفة واستمرار الإنتاجية.

أحد العاملين في مصنع للأغذية فضل عدم الكشف عن اسمه قال «ان اصحاب العمل طالبوا العاملين بأخذ لقاح كورونا او تقديم استقالتهم، وان يجلب العامل شهادة تبين تلقيه على الأقل الجرعة الأولى من اللقاح»، معتبرا ذلك غير قانوني لأن الحكومة لم تفرض هذا الأمر حتى الان، وضرورة ترك الأمر لقناعة الشخص وعدم تخييره ما بين اللقاح او الفصل.

أما المواطن سعد بركات العامل بأحد المصانع، فكان له وجهة نظر أخرى، فقال: اعتقد ان كل مؤسسة او مصنع لها الحق في ان تحمي منشآتها وموظفيها من خطر الإصابة بالفيروس وفرض تلقي اللقاح من باب الحماية، لأن هناك اشخاصا ما زالوا يتهاونون ولا يلتزمون بإجراءات السلامة العامة، وبما ان المطعوم متوفر فإن عدم أخذه لا مبرر له، بل على العكس يعتبر مسؤولية أخلاقية لحماية المجتمع.

الصناعي والمحلل الاقتصادي المهندس موسى الساكت، أكد ان إجبار العاملين في المصانع او المؤسسات الاقتصادية وغيرها المختلفة بأخذ اللقاح يعتبر تقييدا لحرية الشخص ما دام لم يصدر قانون بإلزامية ذلك، حيث يوجد هناك اشخاص يعانون من عوارض طبية معينة لا تسمح لهم بأخذه ويجب ان تؤخذ بعين الاعتبار.

واضاف ان تلقي اللقاح يعتبر امرا مهما وله دور حيوي في عودة دوران عجلة الاقتصاد الى جانب التقيد باجراءات السلامة العامة من لبس الكمامات والقفازات وغيرها، إلا ان قناعة العامل بتلقيه أفضل من إجباره، والأهم هو تأمينه ضد كورونا، إذ توجد شركات تأمين لذلك وبمبالغ زهيدة، وبالتالي ضمان حماية مصلحة الموظفين واستمرارية انتاجهم.

وبين الساكت انه في الوقت الحالي اختلفت نسبة الإقبال على المطعوم عن الأشهر الماضية، فأصبح الناس يتوجهون بشكل اكبر للتسجيل وأخذه، ومن هنا يجب على المصانع والمؤسسات تغيير سياستها واتباع طرق أخرى غير الإجبار كزيادة الوعي بأهمية اللقاح بين العاملين، لحماية أنفسهم وعائلاتهم وأماكن عملهم والمجتمع ككل، وعندما تتم الأمور بهذه الطريقة فإن نسبة الاعتراض على أخذ اللقاح ستقل.

من جهتها، اشارت الباحثة في الشؤون القانونية الدكتورة دانييلا القرعان، الى ان قانونية الشركات التي تطالب موظفيها بالتطعيم تختلف من بلد لاخر، والكثير من الشركات باتت تتبع اسلوب جعل اللقاح الزاميا، لكن في الأردن لم يصدر قرار لغاية الان يجبر فيه اي شخص باخذ اللقاح، وبالتالي لا يجوز فصل الموظف من عمله كونه لم يأخذه، ما لم يتم تنظيم عقد عمل جديد يذكر فيه هذا الشرط، لأن العقد شريعة المتعاقدين، وهنا جميع الأطراف ملزمون بتنفيذ أحكامه.

وشددت على انه بالاستناد الى نص المادة 28 و 29 من قانون الصحة العامة، والمادة 68 التي قررت عقوبة مخالفة أحكام القانون، فإنه قانونيا لا يستطيع أصحاب العمل فصل الموظفين من عملهم بسبب عدم تلقيهم للقاح كورونا، والسبب يعود الى الان لم يصدر قرار بنص قانون وملزم للجميع بذلك.

وبذلك وفق القرعان وبناء على نص المادة 25 من قانون العمل الأردني، واذا تبين للمحكمة المختصة في دعوى اقامها العامل خلال 60 يوما من تاريخ فصله، ان الفصل كان تعسفيا ومخالفا لأحكام القانون جاز له إصدار امر الى صاحب العمل بإعادة العامل الى عمله، او بدفع تعويض له مقدار اجر نصف شهر.

واضافت ان هنالك كثيرا من الموظفين لديهم أمراض مزمنة، ولا يجوز لهم تلقي اللقاح بما يعرض صحتهم للخطر عند أخذه، ويجب ان تترك لهم حرية الخيار، من باب الحريات العامة والشخصية، لكن بالمقابل تستطيع المنشآت فرض التقيد بالاجراءات السلامة العامة على العاملين فيها من لبس الكمامة والتباعد وساعات معينة من العمل.

غير ان المشرع كما اوضحت القرعان حدد الحالات التي يحق لرب العمل بإنهاء عمل العامل لديه وفقا للمادة 28 من قانون العمل، تحديدا على سبيل الحصر وليس على سبيل الاستثناء، فإنه لا يحق لرب العمل انهاء خدمات العامل لعدم اخذه اللقاح، إلا اذا تبث أن من شأن ذلك مخالفة النظام الداخلي والسلامة العامة، مع الإشارة الى أن هذه المخالفة لا تشكل سببا لإنهاء العمل إلا اذا تم توجيه انذار كتابي مرتين.

بدوره، قال المحلل والخبير الاقتصادي حسام عايش «ان جائحة كورونا فرضت انماطا جديدة من العادات والمتطليات بالذات في القطاعات الاقتصادية والتي يعتبر اللقاح من اهم الوسائل المتاحة في الوقت الحالي للعودة التدريجية للنشاط الاقتصادي، ومن المهم ان يبادر العاملون لحماية انفسهم واماكن عملهم بتلقيه».

لكن الإشكالية حسب عايش تكمن بإلزامية فرض اللقاح، إذ لا يوجد قانون يفرض أخذه حتى الان في المملكة، إلا ان المسؤولية الأخلاقية والاجتماعية تفرض على الأشخاص الحصول عليه مع التقيد بالمتطلبات الصحية الأخرى.

ولفت الى انه من حق المؤسسات والشركات والمصانع ان تفرض اللقاح على موظفيها في حالة توفره، وبما ان الشخص يتعامل مع مؤسسة واخرين بشكل مباشر او غير مباشر فعليه ان يتوقع بأنه سيكون منسجما مع السياسات العامة، فالمعيار الأخلاقي هو المظلة التي يجب التعامل بها، ولذلك يجب حماية نفسه وعائلته ومجتمعه. وتلقي اللقاح كما ذكر عايش من شأنه ان يحمي المؤسسات والمصانع حيث يوفر فرصا افضل للعودة للنشاط الاقتصادي بشكل تدريجي، ولا مبرر لأحد بعدم أخذه، وهو الوسيلة المتاحة حاليا الى جانب الوسائل المعتادة التي تقلل الإصابات. واعتبر ان الاقتصاد بأمس الحاجة لعودة تشغيل المؤسسات والقطاعات الاقتصادية، وتقليل البطالة، واعادة دورة الانتاج لوتيرتها، وعودة الأجور التي انخفضت وتراجعت، واعادة التحسن في مستوى معيشة الناس بعد الجائحة، وفتح الباب امام فرص العمل، وهذا كله لا يعود الا من باب استخدام اللقاح.

وفي نفس الوقت أكد عايش، أنه يفترض على رب العمل عندما يطلب اللقاح من العاملين ان يوفره لهم، والا فإنها تعتبر تعمدا منه لإقالة العاملين، حيث توجد فئات عمرية لم يصل الدور لها في تلقي اللقاح، وعليه يجب ان تبقى فرص العمل مستمرة ولا يجوز انهاؤها.