الهاشميّون مدرسة في التسامح والتوافق وتغليب لغة الحوار وتعظيم القواسم المشتركة بين بني البشرية جمعاء، إنهم رسل سلام ودعاة وحدة ومعاول بناء لا يضرهم من خالفهم، ولم يجزعوا لخطبٍ ولم يستسلموا لنازلة، وبهذا، ساسوا الأمة بالحكمة ودعوا إلى الألفة بالموعظة الحسنة.. وما كان صوتهم وثوابت خطابهم إلا مؤلِّفا للقلوب ومُعَظِّمًا لقيم العطاء والبذل والتضحية، ولم تدع قيادتنا الحكيمة فرصة إلا واحسنت استثمارها في رأب الصدع وتفعيل العمل العربي المشترك، وتشرفت العائلة الهاشمية بحمل هموم الأمة منطلقة من الثوابت القومية التي تجذرت منذ قيام الثورة العربية الكبرى لتحقيق وحدة العرب واستقلالهم واحياء دورهم في إغناء الحضارة الإنسانية، وما كان سبيلهم في ذلك إلا الاعتدال والعقلانية ونبذ الفرقة والانقسام والتفكك.

هكذا أقرأ مضامين رسالة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى أبناء شعبه يوم أمس، والتي أقصى بها جلالته أصوات دعاة الفتنة والتخريب الذين ظنّوا في لحظات أنهم قادرون على نزع فتيل أزمة داخل أروقة البيت الأردني الكبير وبين أفراد الأسرة الحاكمة، التي نشأت على قيم ومبادئ الآباء والأجداد بين يدي حب الوطن والانتماء إليه والتفاني في العمل المخلص، ونكران الذات وحب الظهور والعزيمة وقوة الإرادة وتوخي الموضوعية والاتزان والاسترشاد بالخلق الهاشمي السمح الكريم المستند إلى تقوى الله ومحبة الناس والتواضع لهم والحرص على خدمتهم والعدل بينهم وتوقير كبيرهم والرحمة بصغيرهم والصفح عن مسيئهم حيثما كان مجال للصفحِ والحزم عندما يستقر الرأي على قرار ووضع مصلحة الوطن والأمة فوق كل اعتبار.

فتنة وئدت وماتت في مهدها، وثقة جلالته بشعبه مطلقة، وفي ثنايا رسالته اعتزاز بكل فرد من أفرادها ممن يحافظون على حروف قسمهم بأن يبقوا رفاق الدرب والمسيرة والأوفياء المنتمين لوطنهم، القادرين على مواجهة الصعب والتحديات بعزائم لا تلين وبنفوس سمحة كريمة معطاءة وبقلوب واثقة مؤمنة بالله ومطمئنة إلى حكمة الملك متطلعة معه إلى القمم الشمّاء والمستقبل الزاهر.

الملك يوجه رسالة مليئة بالمعاني والشعب يستقبلها بفرح غامر، لأنه بنظرنا القائد والمعلم والأب والأخ والصديق والرائد الذي لا يكذب أهله، الذي نذره والده الحسين العظيم لأمته ونذر نفسه لما كانت له مبررات حياته لبناء مستقبل الناس وصون حقوقهم وحفظ كرامتهم وتحقيق طموحاتهم وآمالهم المستمدة من رسالة آباءه وجدّه الأعظم محمد عليه السلام.

لا مكان لناعق ولا متسع لمُخرب ولا شامت، ولسوف تظل روح التحاب والتواد والتراحم ونكران الذات والتحلي بالأخلاق الأردنية العربية الأصيلة، هي الأسس التي تقوم عليها العلاقة بين الملك والشعب ويتوّجها العمل المخلص الجاد الذي ينفع الناس ويمكث في الأرض، وهذا هو الجوهر الذي يتفق عليه الجميع خلف قائدهم لاستكمال مسيرة الخير والعطاء التي رسم الهاشميون ملامحها خدمة للوطن والمواطن وتحقيقًا للتنمية والازدهار والحياة الآمنة الكريمة والحفاظ على تماسك جبهتنا الداخلية ووحدتنا الوطنية التي نعتز بها كما يعتز بها جلالة سيدنا.

Ahmad.h@yu.edu.jo