متنريخ هو اسم الشهرة لوزير خارجية النمسا أيام مغامرات نابليون في القارة العجوز، هذا الرجل استطاع بكفاءته وقدراته وحسن مشورته رسم خارطة للتحالفات -السياسية تارة والاجتماعية تارة أخرى- حفظت البلاد والعباد، وحجزت للنمسا مكانا بين الكبار بعد الحرب كما حافظت على أمن الإقليم وتوازن القوى فيه لفترة طويلة، متنريخ لم يكن رأس الهرم في النمسا كما لم يكن بسمارك قيصر ألمانيا، لكنه ينتمي الى مجموعة رجال الدولة في المواقع المتوسطة والمتقدمة الذين يشكلون صوت الرشد في عقلها والثبات والاتزان في سلوك مؤسساتها.

في الأزمات يشكل العنصر البشري مربط الفرس في قدرة الدول والمؤسسات على تجاوز الأيام الصعبة وتحقيق أكبر عدد من المكاسب أو الخروج بأقل الاضرار والخسائر، فأصحاب المراكز الإدارية المتقدمة هم من يختارون ويصيغون طريقة اشتباك مؤسساتهم مع التحديات الراهنة، وعلى قدر كفاءتهم وقدراتهم الشخصية ومدى فهمهم لبنية مؤسساتهم وما تمنحه لهم من مجال للمناورة وطبيعة مسرح الاحداث وتوازناته، يكون نصيب طرائق اشتباكهم ونهجهم من النجاح أو الإخفاق مما يؤثر على صورة المؤسسات التي يمثلونها تجاه المجتمع ولو مؤقتًا.

وعودة الى مترنيخ الذي قد نتفق مع قناعاته السياسية أو نختلف معها، فهو الذي وجد بلاده في قلب مسرح حروب طاحنة تحتاج الى تحالفات متشابكة ومتناقضة غربًا وشرقًا وشمالا للخروج منها سالمًا إضافة الى ثورة فرنسية تريد باريس تصديرها للجميع، يحسب للرجل اتقانه لعبة التوازن والمشورة الحسنة والحفاظ على وحدة المجتمع ما أمكن.

ضعف أصحاب هذه المراكز هو نتيجة طبيعية لتداخل الوساطة والمحسوبية وزبائنية الولاء في اختيارهم مما يضعف مؤسساتهم ويشوه صورتها ويشل قدرتها على النهوض بواجباتها الضرورية في الازمات وهذا يندرج على كل المؤسسات تقريباً، من المؤسسات الإعلامية الي قطاع الإدارة العامة باختلاف اختصاص وحداته ووزاراته.

تمكنت بلادنا في المئة عام الماضية من عبور كل الازمات القاسية والصعبة التي مرت بها بفضل قوة مؤسساتها واتزان ردود أفعالها وغلبة صوت الرشد على عقل الدولة وانتهاج الشفافية والوضوح في طرح القضايا الشائكة مما حمى المجتمع الملتف حول دولته ومؤسساته من أي انقسامات قد يستغلها البعض للعبور منها ومنع تصدير أي أزمة الى الداخل الأردني.

زاد الإخفاق والتخبط وارتجال ردات الفعل من ضغوط وتكلفة الازمات التي عصفت بنا في الأعوام الأخيرة، وانعكس ذلك على انقسام الشارع الأردني حول أغلب القضايا العامة واقصائه للرأي الاخر وتشنجه أحيانا متأثرًا بالتشنج الحكومي أيضا، وتحولت مجموعة كبيرة ممن يعتبرون نخبة البلاد السياسية لجوقة موحدة تكرر نصًا لا يؤثر بمزاج الشارع الذي فقد الثقة بخطابهم ويقابله بالتهكم أو الرفض عمومًا، لذلك فقدت هذه النخب الغطاء الشعبي الذي يمكنها من اسداء النصح الصائب لعقل الدولة ومجال المناورة اللازم لها لتبني أية طروحات مختلفة لعلاج الموقف.

لإطلاق عملية الإصلاح أو لعبور الازمات نحتاج الى نخب سياسية وازنة يجتمع عليها الناس لتملأ الفراغ الذي بدأنا نعاني منه في مؤسساتنا وجهاز ادارتنا العامة، ولتحافظ على وحدة مجتمعنا ورشد وقوة دولتنا.

Saifalrawashdeh0@gmail.com