أبواب - زياد عساف

«تراث غنائي يمشي على قدمين!»،لا أجد أقرب من هذا الوصف لـ(أم نمر) السيدة التي حباها الله بصوت جميل وقدرة عجيبة على ما تحفظه من كنوز التراث الخاص بالأعراس والأفراح ما جعلها نجمة متوَّجة في هذا النوع من المناسبات، عدا عما تمتاز به من قوة شخصية اهلَّتها لتسهيل أمور الزواج بين إثنين كلما شب خلاف بين أهل العروسين حول المهر أو أي متطلبات أخرى.

لم تكن لتكتمل ليالي الأفراح إلا بحضورها وجُل غايتها أداء الواجب تجاه أهل الحي والأقارب لدرجة أن مواعيد الأعراس كانت تُحدَّد حسب وقتها خاصة بفترة الصيف المزدحم بمواسم الفرح التي كانت تستهلها في كل حفل معبَّرةً باعتدادها بنفسها وهي تغني للنسوة الحاضرات «واعمل عمايل.. عمايل.. ما عملها عنتر»، ولا خلاف حول هذه الجزئية تحديداً، فإن عنتر لم يكن ليدخل التاريخ أساساً لولا أن تغنى ب عبلة!.

حقيقة..

حكاية «أم نمر» تؤكد حقيقةً راسخة بأن دور من هم على شاكلتها قد تخطى إشاعة البهجة والفرح في الأعراس الى أن النساء قد تفوقن على الرجال في إحياء التراث والحفاظ عليه من الضياع.

مساهمة المرأة العربية بالحفاظ على الهوية التراثية الغنائية لم تكن بالمهمة السهلة لاعتمادها حصراً على النقل الشفوي للأغاني بين النساء واستمرار ذلك للأجيال المتتالية دون توثيق باستثناء تجارب قليلة في الوطن العربي، في وقت أن بلاد الغرب قد أنشأت مؤسسات تُعنى بإنجازات المرأة في حقل الموسيقى والغناء مثل مؤسسة (المرأة والموسيقى) Donne in music التي تأسست عام 1978.

ولنا أن نتخيل هذا المجهود الذي بذلنه في إحياء الموروث ومنه الأغاني التي ابتدعتها النسوة أنفسهن عبر التاريخ مع التعديل في الكلام والإيقاع من فترة زمنية لأخرى، ومنها المتعلقة بالأعراس والحنَّة وطلعة العروس من بيت أهلها واستطاع بعض الباحثين من خلالهن أيضاً تدوين الأغاني الخاصة بقدوم المولود وهدهدة الطفل والطهور والحج والوفاة وأعمال أخرى صُبِغَت بلمسة أنثوية تطرقت للواقع الاجتماعي والسياسي والدعوة لمقاومة المستعمر الذي استوطن بلاد مثل سوريا وفلسطين ولبنان ومصر.

توثيق..

في البلاد العربية اشتهر العديد من المطربات الشعبيات اللاتي ساهمن في الحفاظ على التراث الغنائي في بلادهن وإعادة إحيائه ليس بالحفلات الغنائية فقط إنما في هذه الخدمة الجليلة التي مهدت لتدريس هذا الفن في الكليات والمعاهد المعنية بالتراث، ولا بد من العودة لرائد الفن الشعبي المصري زكريا الحجاوي الذي اكتشف أهم مطربات الغناء الشعبي في أرض الكنانة أثناء تجواله في المحافظات والأقاليم لجمع وتدوين التراث ومنهن خضرة محمد خضر وفاطمة سرحان وجمالات شيحة، وتم توثيق مئات الأعمال بصوتهن والتي هي من صميم الفلوكلور المصري، وفيما بعد ظهر الثلاثي المرح (وفاء وصفاء وسناء) واستعدن العديد من أغاني التراث على غرار «وحوي يا وحوي والعتبة جزاز» والتجربة الهامة للمطربة ليلى نظمي الحاصلة على دكتوراه في الأدب الشعبي والتي قامت بنفسها بجمع التراث الغنائي المتعلق بالأعراس عبر جولاتها الميدانية في المحافظات والقرى المصرية واستعادتها لأغلب هذه الأعمال بصوتها أيضاً.

وهذا ما ينطبق على مطربات من بلاد عربية أخرى، أمثال فيروز التي قدمت عشرات الأغنيات من صميم الفلوكلور اللبناني، ومن العراق لميعة توفيق وصديقة الملاية ووحيدة خليل، ومن الأردن برزت بعض المطربات ممن ساهمن بالحفاظ على هذا المخزون واستعادته بأصواتهن أمثال: ميسون الصناع وسلوى بالإضافة لسميرة توفيق التي حققت شهرتها عبر أعمال ريفية وبدوية أردنية منذ بداية الستينيات، ومن فلسطين سناء أبو موسى ودلال أبو آمنة.

غناء جماعي..

لم يتوقف دور المرأة في هذا المجال على الغناء الفردي وبرز شكل آخر ساهم في عودة الروح للأغاني التراثية والفلوكلورية عبر تأسيس فرق نسائية متخصصة بإحياء التراث، وهي ظاهرة انتشرت في معظم البلاد العربية وامتازت بالتنوع فيما تقدمه من عبق التراث مثل الغناء الشعبي والوطني والديني والصوفي، والقاسم المشترك الذي يجمعها مع الفرق الغنائية الخاصة بالرجال أهمية الرسالة والفكرة بتعزيز الهوية الثقافية باعتبار التراث من أهم أركانها بالإضافة لجمالية الأداء الجماعي والكورال، وأما يميز الفرق النسائية إحياؤها للطقوس التراثية الغنائية الخاصة بالنساء وتؤديها النسوة في جلساتها الخاصة في المناسبات الإجتماعية والموالد ومن غير المنطق أن يؤديها الرجال بطبيعة الحال.

تميُّز..

هذا النوع من الفنون حفظ للمرأة مكانتها بظهور الفرق النسائية الغنائية بالزي الشعبي التراثي المحتشم لكل بلد وبشكل يليق بالمرأة ومكانتها بعيداً عن الرقص المبتذل والملابس المكشوفة كما يحصل الآن لدى نسبة كبيرة من المطربات، ورغم هذا المنجز في ترسيخ هذا الفن إلا أن معظم هذه الفرق لا تستمر لأسباب تتعلق بتراجع الإنتاج والدعم من بعض المؤسسات الإعلامية والمالية ممن يفضلون الربح المضمون العائد من دعم مطربة مثل إليسا أو نانسي عجرم وتغييب فرق نسائية محافظة أداؤها أبعد ما يكون عن الإثارة من خلال الحركة أو الملابس، وفي الوقت نفسه تقدم فناً أصيلاً ذا قيمة فنية واجتماعية إلا أنها تقتصر عروضها على الأغلب بالمهرجانات الثقافية والفنية على فترات متباعدة، وكثيراً ما تضطر هذه الفرق لإقامة أمسيات على حسابها الخاص بدافع التواصل مع الجمهور وعدم الإنقطاع.

عدم تفرغ..

ومن الأسباب الجوهرية لتوقف هذه الفرق عدم التفرغ بعد التحاق الفتيات المؤسسات للفرقة بمؤسسة الزواج وتفرغهن للأسرة وهذا ما ينطبق على أغلبية من اقتحمن هذا المجال.

ومن أشهر الفرق النسائية التي أثبتت حضورها في السنوات الأخيرة ولا زالت تواصل المسيرة للحفاظ على التراث الغنائي العربي: «الفرقة النسائية التونسية»، «فرقة بنات عيساوة المغربية»، «الفرقة الشعبية النسوية الكويتية»، ومن الأردن فرقة «نايا» التي تأسست عام 2011 وتكوَّنت من مجموعة من المغنيات والعازفات وقدمت عروضاً غنائية في الأردن والخارج، والملفت وحسب ما صرَّحت به رئيسة الفرقة د. رولى جرادات في لقاء صحفي الإصرار على إقامة أمسية سنوية للفرقة في شهر أذار من كل عام كونه يتضمن يوم المرأة العالمي وعيد الأم ويوم الأرض نظراً لرمزية الأنثى الحاضرة في هذه المناسبات.

غياب..

أثبتت المرأة حضورها على صعيد الأغنية الفردية في الزمن الجميل ومنهن من تفوقن على الرجال وأثبتن تواجدهن أيضاً على الصعيد الإنساني والسياسي والوطني، والأمثلة كثيرة لدرجة أن أم كلثوم شكَلَت حالة من تعزيز الترابط القومي عندما كان يلتف الشعب العربي من المحيط للخليج حول المذياع للاستماع إليها، ووصل الأمر كما ذكرنا في أكثر من موقع أن مجرد زيارتها لتونس عام 1968 أعادت العلاقات بين مصر وتونس بعد انقطاع بسبب خلافات سياسية، وكثيراً ما حاول بعض الرؤساء العرب ومن خلال وسطاء بإقناع فيروز لتقديم أعمال غنائية تمجَد هذا الرئيس أو ذاك إلا أنها بقيت على موقفها بتوظيف صوتها حصراً للوطن والإنسان.

ورغم كل هذه الأعمال الغنائية المتميزة بأصوات نسائية بالإضافة لكوكب الشرق وجارة القمر ولا نغفل أهمية ودور فايزة أحمد وشادية وليلى مراد وعائشة المرطة وسليمة مراد، كل هذه الأعمال أصبحت ضمن التراث الغنائي العربي الآن بعد أن مضى عليها عشرات السنين، وعاد يغنيها الجدد من المغنين باعتبارها من الموروث الموسيقي الأصيل.

نساء ملحنات..

ولأن هذه الأغنيات وضع ألحانها رجال وبالتالي لم يكن للمرأة كصانعة ألحان أي دور يذكر في التأسيس منذ البداية لهذا التراث على أرض الواقع باستثناء تجارب قليلة من حيث المضمون والعدد ومنها وكما تشير بعض المصادر بروز بعض الملحنات في العصر العباسي، والإشارة بأن أم كلثوم لحنت أغنيتين من أعمالها وهما: على عيني الهجر 1928 وياريتني كنت النسيم 1935، وكذلك الكاتبة والمخرجة الفنانة بهيجة حافظ التي وضعت الألحان والموسيقى التصويرية لفيلمي زينب 1930 والإتهام 1934، ولحنت الموسيقى التصويرية حصراً لفيلم الضحايا 1932 والسيد البدوي 1953.

المطربة اللبنانية لوردكاش قدمت أربعين لحناً لم تحقق النجاح المطلوب باستثناء أغنية (أمنت بالله) التي حققت الشهرة من خلالها على الساحة الفنية مع التأكيد أن لحن الأغنية مثبت بإسم الموسيقار فريد غصن الذي أصر على وضع إسمه بدلاً منها بحجة الاعتبارات القانونية كون لوردكاش غير مسجلة بجمعية المؤلفين والملحنين وقتها، وهناك ملحنات أخريات أيضا مثل نادرة أمين ومسعودة العمارتلي من العراق وليلى نظمي من مصر وأول ملحنة كويتية ليلى عبدالعزيز ومن السودان أسماء حمزة، وأسماء أخرى بدأت تظهر على الساحة بالسنوات الأخيرة أمثال: جاهدة وهبة من لبنان، وكاميليا جبران من فلسطين ومن العراق انعام والي.

تناقض..

لم توفق معظم الملحنات بترسيخ هوية خاصة لكل منهن على غرار الملحنين الرجال لدرجة أن عند الاستماع لمقدمة موسيقية يبادر (السمِّيعة) مباشرةً للتعليق أن هذا اللحن للسنباطي أو عبدالوهاب أو محمد الموجي على سبيل المثال، وهذا ما عجزت المرأة عن تحقيقه، وبالتالي غاب أسمها كملحنة وبأثر رجعي عن رفد التراث الغنائي بهذا الكم والنوع من الإنجازات الفنية الموسيقية.

الأسباب التي يشير إليها النقاد حول ندرة النساء الملحنات أغلبها غير مقنع ويناقض نفسه، كأن يشير بعض الموسيقيين بأن السبب يعود أن التلحين يحتاج للخيال وقدرات المرأة محدودة في هذا الجانب مع العلم أن المرأة أثبتت قدراتها في مجال الفن التشكيلي وكتابة الشعر والرواية الذي أساسه الخيال، ويشير اّخرون أن التلحين يحتاج لمجهود كبير وفن الإدارة والقيادة، أو أن تفرغها للأسرة يحول دون ذلك لأنها ستضطر للسهر لوقت متأخر والسفر لبلاد بعيدة هذه المعوقات كانت في السابق أما الآن فالأمور تغيَّرت والشواهد كثيرة، يبقى الإحتمال الأرجح الذي يمكن إستنتاجه هنا بأن التلحين من أكثر الفنون التي تعبر عن مكنونات النفس البشرية وسراديبها ويُشكِّل حالة من البوح الداخلي، وهذا ما يدفع المرأة في اللاشعور لتجنب هذه المواجهة بعد أن ترسخ في ذهنها ومنذ مئات السنين أن البوح والتعبير عن المشاعر من المحرمات، وهذا ما يحتاج لسنوات أخرى حتى تستطيع المرأة تجاوز هذه الرواسب.

معوقات..

وتبقى من المعوقات الظاهرة للعيان التي حجَّمت من دور المرأة كملحنة أن أغلب المطربين الرجال لا يراهنون على ان المرأة من الممكن أن تبدع في مجال التلحين وتقدم أعمالاً توازي ما قدَّمه موسيقيين كبار بحجم بليغ حمدي وكمال الطويل ومنير مراد حسب ما اثبتته التجارب عملاً بالمثل الشعبي: (لو بدها تمطِّرْ.. كان غيَّمت!)، وبالتالي لا يحبذون التعاون مع ملحنات باستثناء تجارب قليلة، ومنها أغنيات من ألحان الفنانة الكويتية ليلى عبدالعزيز قدمها مطربون من دول الخليج وبلاد عربية أخرى ومنهم: هاني شاكر ومحرم فؤاد وعماد عبدالحليم وجاسم الخياط.

امتناع..

والملفت أكثر امتناع معظم المطربات عن غناء ألحان من إبداع بنات جنسهن، فعدم الحماس لتعاون النساء فيما بينهن ظاهرة لافتة في ميادين كثيرة ولا تقتصر على الغناء والموسيقى وهذا يذكرني بمحاضرة ألقتها إحدى السيدات المتميزات في مجال المحاماة، وتروي في سياق الحديث عن رحلة بالطائرة جمعتها بمجموعة من النساء المُبدعات في حقول مختلفة أثناء توجههن لإحدى الدول الأجنبية للمشاركة بمؤتمر يتعلق بحقوق المرأة بهدف إنصافها مما تعرض له من التهميش والإستهانة بقدراتها، وكن في حالة من الإسترخاء وهن يتبادلن الحوار، ولكن سرعان ما دبَّ الرعب في نفوسهن وهن في الجو عندما علمن بأن الكابتن الذي يقود الطائرة إمرأة وليس رجلاً، وبقين في حالة من التوتر والذعر طيلة الرحلة إلى أن حطت الطائرة في أرض المطار!.