الدكتور عامر أحمد العورتاني

أخصائي علم الاجتماع

Dr.Amer.Awartani@Gmail.Com

بين خطوط تلك التجاعيد تختبئ الكثير من الحكايات، وبين تلك الشعرات البيضاء تسكن آلاف الذكريات، وفي عُمق تلك العيون مازال بعض من حياة... حديثهم سلاسل من نور تنهمر شغفاً بالماضي، حيث توقف الزمن، وحيث صار كلّ ما بعده غربة بعيدة، وما بين آلام الشوق لمن سبقوهم بالعبور، وتلك الرغبة في البقاء، صراع هادئ لا يكاد صوته يتعدى جدران قلوبهم المرهقة بحمل السنين، وفي صمتهم سرد طويل لا ينتهي.. عن كبار السنّ أتحدث، عن أمهاتنا وآبائنا ومن هم لأبنائنا الأجداد.

وهنا فإنّ التعامل مع مفهوم كبار السن، أو سن الشيخوخة يتطلب النظر في عدد من المعايير، والتي اعتمد أحدها على العمر الزمني في تحديد ذلك السن، في حين ارتبط آخر بالعمر البيولوجي معتمداً على مدى كفاءة أعضاء الجسم وقدرتها على أداء وظائفها، ليذهب معيار آخر نحو العمر الاجتماعي وطبيعة الدور الاجتماعي الذي يقوم به الفرد في هذه المرحلة، في حين اعتُبِرت الخصائص النفسية للفرد، ومدى إقباله على الحياة وتوجهه نحو المستقبل، معياراً يعتمد على العمر النفسي للفرد، والحقيقة أنّ جميع تلك المعايير تكاد تتقاطع في مرحلة ما عند أغلب الأفراد، وإن امتلك البعض مهارة قيادة كل منها بحسب استعداداته الجسدية والنفسية، والظروف الاجتماعية المرافقة لتقدمه في العمر، بمعنى أنّ عبور بوابة الشيخوخة يختلف بتباين الظروف المرافقة من فرد إلى آخر، فقد يكون الفرد في الثمانين من العمر مستقراً وهادئاً بين أولاده وأحفاده، في حين أن آخراً يواجه تلك المرحلة منطوياً بلا أمل، وهو يرثي أيام الشباب دون توجه نحو المستقبل، رغم أنه ما زال في ستينياته، الأمر الذي دفع بعلماء النفس إلى اعتبار مرحلة الشيخوخة حلقة في سلسلة الحياة، يصاحبها الكثير من التغيرات، والتي تتقدمها الفكرة النمطية التي تحكم على المُسن بأنّ دوره انتهى، الأمر الذي يمكن من خلاله تبيّن عدد من الأنماط التي يتم من خلالها استجابة المسن لمرحلة الشيخوخة، فهناك النمط الناضج، ذلك النمط الذي يبدو المسنّ فيه مفعماً بالنشاط والدفء، ويتّبع في نهجه مع الحياة أسلوباً بنّاء وإيجابياً، ما يجعله مستمراً في القيام بمسؤولياته اتجاه أسرته والمجتمع، في حين يتخذ بعض المسنين نمطاً استسلامياً سلبياً، بحيث ينحصر سلوكهم في الاندفاع نحو الطعام أو النوم بشكل مُسرف، دون اعتبار لأي طموح أو غاية جديدة في الحياة، ليكون أصحاب النمط الدفاعي على الطرف المقابل مصرّين على الهروب من فكرة التقاعد أو التوقف عن العمل، ليُسرفوا في النشاط وبذل الجهد، أمّا المسنين الذين يفتقدون لوجود اهتمامات أو هوايات محددة في حياتهم، فإنهم يعيشون فقط لهزيمة الموت، ما يدخلهم في حالة عدائية مع كلّ ما من شأنه تهديد حياتهم، وهو نمط مناقض للنمط الكاره للنفس، والذي يتصف أصحابه من المسنين بالاكتئاب والرغبة في الموت.

والحقيقة أنّ فئة المسنين وإن اختلفت أنماط تفاعلهم مع مرحلة الشيخوخة؛ تعاني الكثير من المشكلات والتهميش والتجاهل في المجتمع، وذلك لأسباب متعددة أهمها فقدان المسن التفهم المطلوب من قبل المحيطين به، وغياب سُبل التفاعل والتواصل معه بشكل إيجابي، فعملية التقدم في العمر تسير مصحوبة بالكثير من المتغيرات، والتي تؤثر بدورها على وظائف الفرد، وهي تختلف في طبيعتها ودرجة حدتها وأسبابها المباشرة وغير المباشرة من شخص لآخر، ويمكن اعتبار مشكلة تدهور المهارات الاجتماعية أهم تلك المشكلات؛ فالمهارات الاجتماعية تعتبر أحد أهم العوامل الهامة في تفاعل الفرد مع الوسط المحيط، ويعتمد نجاح هذا التفاعل واستمراريته على مهارات الفرد اللفظية والجسدية، وإنّ فقدان الفرد لتلك المهارات يُعدّ أحد أهم العوامل المؤدية إلى الشعور بالعجز الذي يدفعه إلى الانسحاب والميل للعزلة، الأمر الذي يُقابَل بالاستبعاد الاجتماعي وعدم التقبّل، أضف إلى ذلك ظهور مشكلات التغير السيكولوجية، حيث تطرأ تغيرات عديدة على الوظائف العقلية لكبار السن غالباً، فتضعف الذاكرة فيما يتعلق بالأحداث القريبة، في حين تبقى الذاكرة قوية ونشطة فيما يخص الأحداث البعيدة، إضافة إلى ظهور التغيّرات الوجدانية كالقلق والاكتئاب، والعديد من الاضطرابات المزاجية المرتبطة بتقدم العمر، وربما يمكن اعتبار تغيّر مفهوم الفرد لذاته، وتغلّب شعور الوحدة النفسية على مزاجه العام مترافقاً مع الحساسية المفرطة التي يُبديها المسن اتجاه مختلف المواقف، إلى جانب العناد ومشاعر الشك وانعدام الثقة في الآخرين، من أهم تلك الاضطرابات المزاجية التي يُبديها بعض كبار السن.

وتتمثل الغاية من طرح مسألة المسنين في هذا المقال، في إحداث حالة من الحراك نحو قضايا المسنين في المجتمع، والسعي لإبقائهم ضمن دقات الساعة، كجزء من إيقاع الحياة، والتخلي عن فكرة إبقائهم ضمن قيود الموت إلى أن يحين الأجل، فلا شك أنّ المجتمع يشهد الكثير من التغيّرات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية المعاصرة، والتي تتسم بمظاهر السباق المادي، والميل نحو تكوين الأسرة النووية، إضافة إلى الظروف المرافقة لعمل أفراد الأسرة، وخروج المرأة للعمل، فضلاً عن تفاقم العديد من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية في وجه الأسرة، الأمر الذي أدى إلى تراجع دورها التقليدي في رعاية المسنين.

والمسنون يسعون جاهدين للبقاء في حالة مستقلة لا يعتمدون فيها على الآخرين، إلّا أنّ ظروفهم الصحية تتطلّب الرعاية التي يجب أن يقدمها لهم المجتمع من خلال البيئة المحيطة، وإنّ رعاية المسن تتطلب وضع خطة تحدد احتياجاته ضمن فترة زمنية قصيرة أو طويلة الأجل، من خلال عملية مراقبة ثابتة ودائمة، والتي قد تبدأ بالحاجة إلى إجراء بعض التعديلات على المسكن لجعله أكثر ملاءمة، مروراً بالحاجات الغذائية للمسن، والتي يجب أن تكون متوازنة ومجزأة لغايات الوصول لأفضل مستوى صحي، اعتماداً على توجيهات الطبيب في تحديد مكوناتها وكمياتها، مع الإشراف المباشر على إعدادها وتناولها، ومساعدة غير القادرين منهم على إطعام أنفسهم، ولا يمكن بالطبع التغافل عن أهمية العناية الجسمية من حيث نظافة البدن بصورة منتظمة، ومساعدتهم في ممارسة بعض التمارين الرياضية، للحفاظ على نشاط الدورة الدموية، والحماية من مضار الراحة لفترات طويلة، وهو ما يُرتب الكثير من العبء والضغط على مستوى الأسرة الراعية للمسن، الأمر الذي يستدعي توفيقاً مرناً بين متطلبات رعاية المسن وبقية الأدوار المطلوبة من أفرادها، فضلاً عن الحاجة إلى تلقي تدريبات خاصة تشمل كافة جوانب الرعاية المرتبطة بالشيخوخة. كما أنّ الرعاية النفسية والاجتماعية لا تقلّ أهمية عن الرعاية البدنية، تلك الرعاية المتمثلة في الجهود الموجهة للمسن بهدف توفير احتياجاته النفسية والاجتماعية، وإجادة التواصل اللفظي وغير اللفظي معه، وتوفير كافة المعززات الإيجابية له، فالرعاية النفسية والاجتماعية تعتبر العامل الأهم في مساعدة المسن على مواصلة دوره في حياة كريمة وآمنة بعيداً عن كافة أشكال المخاطر، وذلك ضمن البيئة التي اعتادها، مما سيساهم في سهولة تكيّفه الاجتماعي والنفسي، وذلك عبر توفير مختلف الأنشطة الترويحية والثقافية التي تتوافق وقدرات المسنين وإمكاناتهم واهتماماتهم، والحرص على تلك الأنشطة التي ترفع من مستوى الاعتماد على الذات، واكتساب ميكانزمات التعايش مع الحياة في سن الشيخوخة بشكل أفضل.

إنّ العالم كلّه يتوقع ارتفاعاً أكثر في نسبة كبار السن، لذا فإنّ التوجه نحو الاهتمام بالمسنين، وتوفير كافة جوانب الرعاية المتكاملة لهم أصبح توجهاً إنسانياً، وهنا فإنّ النظرة الموجهة إلى هذه الفئة يجب أن تتمّ عبر زاويتين، فهناك أفراد من المسنين الفاعلين فيزيائياً وفكرياً، وهم يمتلكون كمّاً هائلاً من الخبرة التي تمكنهم من الاستمرار في الإنتاج اقتصادياً وفكرياً إذا ما توفرت الظروف الملائمة، وهناك بالمقابل فئة أخرى تتصف بالضعف والهشاشة، بسبب ما ألمّ بهم من اضطرابات صحية، وإنّ كلا الفئتين تحتاج إلى الرعاية والمتابعة. لم يشتعل الشيب في تلك الرأس، ولم تكتسح تلك التجاعيد ذلك المُحيّا، ولم تهن تلك العظام، إلّا بعد أن ناءت بأعباء الإنجاب والتربية والبحث عن الزرق والحياة الفضلى، وقد بلغت هموم الحياة من تلك الأجساد مبلغها، وإنّ العرفان بفضلهم والقيام بأبسط حقوقهم، لن يكون إلّا برسم اللوحة الأجمل لمحطتهم الأخيرة في رحلة الحياة القصيرة، لذا فإنّ على الأبناء والأحفاد تنمية شعور المسن بقيمة ذاته، من خلال توكيله ببعض المهام المتناسبة وقدراته البدنية والذهنية، واللجوء لمشورته والاهتمام بآرائه، مما سيفعّل دوره في البيئة الاجتماعية، والابتعاد عن توجيه النقد له، وتجاهل ما يصدر عنه من سلوكات خاطئة، لما سيتركه اللوم المستمر من أثر سلبي على صحته النفسية، كما أنّ الجلوس المنتظم مع المسن، ضمن جلسات عائلية يترأسها، وينطلق فيها للحديث عن ذكرياته وإنجازاته، وسط اهتمام وتفاعل الحضور من أفراد الأسرة، يُعتبر نشاطاً هاماً في إظهار الاهتمام والتقدير نحو كبار السن؛ لتنمية الشعور بالأمن والاستقرار النفسي والاجتماعي رعايته، كما يجب الالتفات إلى أهمية تدعيم النسق الوجداني للمسن من خلال إظهار التعاطف والمشاعر الدافئة الطبيعية، إلى جانب أهمية العمل على تجديد ودعم شبكة العلاقات الاجتماعية الخاصة بالمسن؛ عبر التواصل مع أصدقائه ومعارفه بشكل فعّال، إلى جانب ضرورة تقديم المساعدة لهم لتنمية البعد الروحي عبر أداء العبادات والمناسك. لا شك أنّ جائحة الكوفيد – 19 كشفت عن الكثير مما يخص كبار السن، فقد كانوا الأكثر عُرضة للتأثر بمضاعفات المرض، جراء ما يعانونه من الإصابة بالأمراض المزمنة، إضافة إلى ما فرضته إجراءات وتدابير الوقاية والسلامة من متطلبات التباعد المكاني، الذي فرض تباعداً زمانياً بالمقابل، فلم تعد فرصة اللقاء بهم والجلوس معهم واحتضانهم متاحة بحرية، وهو ما ساهم في خلق بيئة نشطة بعوامل الاكتئاب والقلق والترقب، الأمر الذي يدفع إلى إيلاء تلك الفئة الغالية من أفراد المجتمع جُلّ الاهتمام، وتزويدهم بتفاصيل الرعاية الصحية، والنأي بهم عن كلّ ما من شأنه التدني بصحتهم النفسية نحو مستويات منخفضة، وتعويضهم عن أخبار الجائحة ضمن المتاح من أجواء الفرح والتفاؤل.