«1»

كثيراً ما يتحدث المسؤولون في بلادنا عن أهمية المشاريع الصغيرة في التنمية وفي تأمين أعمال للشباب بل وللأسر المحتاجة، بهدف رفدهم بعوائد مالية تجنبهم العوز أو البحث عن وظائف في القطاع العام، الذي ينوء بأحمال من الموظفين الزائدين عن الحاجة الفعلية. وهو أمر ينسحب أيضاً على القطاع الخاص، الذي يحول صغر الاقتصاد الوطني الكلي وقلة الاستثمارات، من أن يتمكن من خلق فرص عملٍ جديدةٍ.

وفكرة المشاريع الصغيرة فكرة رائدة وحيوية، وفي حال نجاحها فإن الأسر المعتمدة على صندوق المعونة الوطنية، يمكن لها أن تستقل مالياً أو على الأقل تحقق مداخيل تساعدها على مجابهة متطلبات الحياة المعيشية، خصوصاً في بلادنا التي تشكو من الغلاء وارتفاع الأسعار. حيث يتم تصنيف الأردن في المعايير الدولية بأنه من أغلى البلدان، مقارنةً بدول المنطقة، بحيث أن 90% من الأجور والرواتب تقريباً تقل عن 500 دينار، أي أنها بالكاد تغطي الحد الأدنى من متطلبات الحياة الأساسية.

وبالعودة إلى المشاريع الصغيرة، فإن تقييم التجربة الأردنية بهذا الحقل مع الأسف، لم تكن موفقة ولم تعط ما هو مأمول منها، بل العكس فإن مردودها كان سلبياً. الذي توضح بالآف النساء الغارمات اللاتي سُجِن أو مهددات بالسجن، ذلك أن الممولين ليس لهم من همٍ إلا تقديم القرض، دونما متابعةٍ للإنجاز أو حتى التحقق من أن القرض قد أُنفق بالفعل على الغاية التي أُعطي من أجلها. وبالتالي فإن عدم المتابعة قد جعل من المقترضين يقومون بصرف القرض على حاجات مُلحة وليس لها مردود مالي دائم.

وكانت النتيجة، وحال أن جاء موعد سداد القرض مع الفوائد الكبيرة وغير المبررة بما في ذلك غرامات التأخير، كان المُقترض عاجزاً عن السداد. الأمر الذي حول المسألة إلى قضية اجتماعية تمثلت بآلاف النساء والرجال، منهم من ذهب إلى السجن ومنهم من ينتظر.

«2»

وأجزم بأن هذه الإشكالية الغريبة على مجتمعنا، ما كان لها أن تحصل لو أن الحكومات المتعاقبة، وضعت أولاً سقفاً للفوائد من جهة، ثانياً لو أنها ألزمت الجهات المُقرضة بوسائل من شأنها متابعة أوجه إنفاق تلك القروض، بحيث لا تُصرف لغاية غير الغاية التي أُعطي القرض من أجلها. بل وإلزام تلك الجهات بأن يكون لها جهاز فني ومالي للمتابعة، ومساعدة المقترض على إنجاح مشروعه ليستفيد منه، ويكون قادراً على التسديد، فيتحقق الهدف الاقتصادي والاجتماعي المنشود.

«3»

وكبديل لهذا الأسلوب اقترح أن تُعطى القروض للمشاريع الصغيرة عبر جمعيات تعاونية، حيث يتم تحديد غايات القرض وتتم متابعة أوجه الإنفاق وتقديم المساعدة الفنية والمالية اللازمة للمقترض لضمان نجاح مشروعه، فنصل إلى الغاية النبيلة المرجوَة بتعزيز اعتماد الأُسر على نفسها.

وبعد، يجب أن لا يُترك المقرضون على «حلِّ شعرهم»، يمارسون هوايتهم بالإيقاع بالمواطنين البسطاء وتحميلهم فوائد غير مُحتملة وغير منطقية، ولذا يجب التنسيق بين البنك المركزي والمؤسسة التعاونية والجهات المُقرضة، توخياً للعدالة ولضمان تحقيق الغاية المنشودة من تمويل مشاريع صغيرة، تخدم المواطنين وترتقي بالاقتصاد الوطني.

والله ومصلحة الأردن من وراء القصد..