ليس ترفاً أن يصر جلالة الملك، في أغلب المناسبات، على وجود المسؤولين في الميدان، وجوداً فعلياً مؤثراً، لا نظرياً بروتوكولياً، أي ذلك النوع من الحضور الذي يعطي نتيجة، ويترك أثراً، ويُحدِث فرقاً.

الملك يريد من المسؤولين تلمُّس هموم الناس مباشرة في مواقعهم، والتعرف على قضاياهم ومشاكلهم، ومحاورتهم في الشؤون العامة، وكل شأن يخصهم.

تلك مسألة حيوية في خلق فهم وتقدير مشترَكين، بين المسؤول والمواطن، إن لأحوال عموم الناس وما يعانونه، وما يطمحون إليه، وإن لأحوال الوطن وظروفه، وما يواجهه من تحديات ويجابهه من صعاب.

وبلا أدنى شك، تتيح اللقاءات المباشرة على الأرض، أمرين مهمين للغاية: أولاً: أن يتعرف المسؤول عن قرب على ما يدور في أذهان الناس وضمائرهم، وعلى وعيهم، ويطل على توجهاتهم واتجاهاتهم.

والآخر: أن يطل الناس على أفكار المسؤول ذاته ورؤاه، ومدى وعيه، وعمق فهمه للأشياء، وجديته في العمل، ويتعرفوا على خططه ومشاريعه، ويتلمسوا قدرته على اتخاذ القرارات وإنفاذها وترجمتها على أرض الواقع.

ببساطة، الحوار المباشر بين المسؤول والناس، يحقق كل ما تقدم، ويسهم في إثراء وعي المسؤول، ويجعله يطور أفكاره ورؤيته للأمور، ويمكِّنه من إبداع الحلول والمعالجات المنطقية للمشاكل والاختلالات.

وبالحوار، الشفاف الصادق، أيضاً، يطل الناس على ظروف وطنهم وأحواله، ويصبحون أكثر معرفة بحجم التعقيدات والإشكالات الداخلية والخارجية وأسبابها وخلفياتها، والأخطار الظاهرة والكامنة.

وهذا، حتماً، يساعد الناس في تطوير وعيهم وإدراكهم وإحساسهم بالصعاب والأخطار، ويدفعهم، حباً لا كرهاً، إلى رص صفوفهم لحماية وطنهم وتحمل ظروفه.

نعم، وبكل تأكيد، إن عدم النزول إلى الميدان والتحاور، يجعل المسؤول في واد والناس في واد آخر؛ لا ثقة بينهم ولا لغة مشتركة، ولا تقدير للإمكانات، ولا فهم للواقع، ولا وعي به، فينعدم المشترك، وتتعاظم كل أسباب الشقة والتباعد والتصادم.

لهذا كله، وأكثر، يصر الملك على أن ينزل المسؤولون إلى الميدان، وأن يوازنوا بين العمل الميداني والمكتبي، وأن يعالجوا المشاكل بالاحتكاك المباشر، والمتابعة الحثيثة الفعلية، وأن يقفوا من الناس على همومهم وأوجاعهم، وآمالهم وطموحاتهم.

شرط ذلك: أن يكون المسؤول على قدر المسؤولية، وأن يكون مناسباً لعمله ومهمته، ومؤهلا بالقدر الكافي، ونظيفاً بالقدر عينه، ويملك أدوات الحوار ولديه قوة الحجة والبرهان بموضوعية ومنطق، ويحرص على مخالطة الناس حيث يوجدون.. وأن يكون الناس منطقيين وموضوعيين، بلا أحكام ومواقف انطباعية مسبقة.

لطالما ثبت وتأكد أن المسؤول المنفصل عن الواقع والناس، لا يمكن أن يعي هموم العامة، ولا ينتج حلولاً للمشاكل، ولا أفكاراً خلاقة للتحديات، بل الأخطر أنه يصبح عبئاً على الوطن، وسبباً في الفرقة بين الناس ومؤسساتهم، وعاملاً لصنع الغضب، وباعثا على اليأس والإحباط.

الفهم المشترك، والوعي المشترك، والإيمان المشترك، هو ما يوصلنا إلى يقين وقناعة بأن الوطن وناسه يستحقون، دائماً وأبداً، الأفضل..