ما تزال المفاضلة بين القطاعين العام والخاص واحدة من الإشكاليات التي لم يصل إليها الاردنيون إلى حل، أو على الأقل إلى توافق. وقد تنقل الاْردن عبر المئة سنة الأولى من عمر الدولة بين تفضيل للجانب العام على الخاص، ثم يعود مستدركاً ذلك معطياً القطاع الخاص مساحته لكي يجني الأرباح.

ومنذ وصول الأمير عبدالله إلى شرق الأردن عام 1920 وقبوله بعرض وينستون تشرشل في القدس عام 1921 بالحكم في منطقة الانتداب المنفصلة عن فلسطين، كان لا بد أن يجد الوسائل لاقناع الزعامات في مختلف مناطق الأردن بقبول ذلك، خاصة أولئك الذين لم يقبلوه في البدايات مثل سلطان باشا العدوان، وعبدالمجيد الشريدة في لواء الكورة.

وتردد بعض زعامات السلط بذلك. وشكل هذا التحدي حافزاً للإنجليز لكي يدعموا قدرة الأمير على معالجة الأزمات الاقتصادية، فتشكيل جيش البادية لحفظ الأمن بين القبائل أدى إلى تعزيز الحكم. وتقديم المساعدات إبان عقد الثلاثينات لكي تقدم لابناء الشعب الذين عانوا الكثير بسبب الكساد الاقتصادي والعالمي والجفاف الذي أطاح بمعظم إنتاج الحبوب، وكانت تلك المساعدات تمنح لرؤساء العشائر والقبائل لكي يقوموا بدورهم بتوزيعها على الناس.

وقام المستشار الانجليزي بوزارة الاقتصاد الوطني (ليفنجستون) بحصر استيراد كثير من السلع المستوردة لفلسطين أثناء الحرب العالمية الثانية في الضفة الشرقية. وبسبب هذا القرار تمكن ليفنجستون بقرار منح رخصة استيراد لأي تاجر في عَمّان من جعله قادراً على تحصيل مبلغ كبير بدون عناء. وأنقل روايات عن المرحوم الحاج محمد علي بدير الذي أبلغني عن سعادته عندما كان يحصل على رخصة استيراد حتى ولو لسلعة لم يتاجر بها. فقد كان يكتفي ببيع تلك الرخصة لتاجر فلسطيني متلهف عليها فيحصل على مبلغ كبير. وروى الحاج حمدي الطباع قِصصاً مشابهة حصلت مع والده الحاج صبري الطباع. وتكررت نفس الحكاية مع الراحل عبدالرحمن أبو حسّان والراحل ابراهيم منكو وغيرهم.

ولذلك كان الحُكْم بقيادة الأمير عبدالله بن الحسين يتفهم ضرورة إغراء القطاع الخاص ورموزه بالاستثمار في الأردن وجدوى أي تنازلات تقدم لهم. ومن الطريف هنا أن الحاج حمدي الطباع يروي في مذكراته عن والده أنه لما قامت حكومة رئيس الوزراء ابراهيم هاشم في مطلع الأربعينات باقتراح مشروع لفرض ضريبة دخل على التجار الذين قالت عنهم الحكومة إنهم يحققون أموالاً طائلة من رخص الاستيراد، وقدر حجم الضريبة الواجب استيفاؤه في ذلك الوقت بخمسين ألف جنيه فلسطيني، توجه في اليوم التالي للإعلان عن مشروع القانون الحاج صبري الطباع إلى مجلس الملك بعد صلاة الفجر واحتج على القانون لان هذا سيسمح للغرباء بالاطلاع على دفاتر التجار وقال الحاج صبري «مولاي الأمير.. دفاترنا أعراضنا، هنالك حقوق لنسائنا، هنالك أسرارنا وأسرار المهنة.. والحكومة غير الرشيدة تريد كشفها للناس.. وبدلاً من ذلك، فأنا أتعهد بجمع الخمسين ألف جنيه من التجار، وتقديمها للحكومة»، ووافق الأمير عبدالله على ذلك.

كان التجار في البدايات يأتون إلى شرق الأردن، خاصة في موسم الحصاد من أجل مقايضة القمح بالسلع الأساسية مثل البواريد، والذخيرة، والعباءات، وقماش الحَبَر لخياطة وتطريز الأثواب، وملح البارود، وغيرها من الأساسيات. ومع الوقت، خاصة أيام الجفاف، صار بعضهم يشتري الأراضي أو بأخذها مقابل الديون، ويستثمرها بنفسه. وحتى يفعل ذلك بدأت بعض العائلات في السكن والإقامة في الأردن خاصة من أهالي نابلس في الوسط، وأهالي منطقة الخليل في الجنوب، وحتى من أهالي غزة مثل دار شعث وغيرهم.

ولما حصلت الهجرات من الشام بعد الاحتلال الفرنسي لسوريا بعد معركة ميسلون. أتى كثير منهم إلى الأردن إما للانضمام إلى جيش الأمير عبدالله لإنقاذ سوريا واستعادتها، أو للاتجار. وفِي العشرينيات وقبل ذلك، أتى كثير من التجار إلى معان بقصد خدمة الحجاج بعد انشاء خط الحديد الحجازي. ولذلك انقسمت معان بصفتها بوابة الحجاز، ومحطة مهمة في خط سكة الحديد الحجازي إلى «معان الشامية»، و«معان الحجازية». وبعض التجار استقروا في اربد أو في جرش إلى أن صارت عمان عاصمة عام1921، فانتقل إليها عدد من الراغبين في العمل فيها من أصول سورية، وبخاصة دمشق.

وهكذا شكل القادمون من فلسطين وسوريا وإلى حد ما لبنان الطبقة الرأسمالية في الأردن. ورأت الادارة العليا أن هذا التشجيع ضروري جداً من أجل بناء الاقتصاد، ولتعزيز التنوع في الأسواق، وبناء ايرادات للدولة ولو عن طريق الضرائب غير المباشرة مثل ضريبة الجمارك والمكوس على وجه التحديد، والضرائب على العقار. وهكذا بدأت تُكوِّن الدولة بفضل القطاع الخاص منظومة واضحة تتحدد فيها العلاقة بين القطاعين العام والخاص.

وبعد اعلان الاستقلال عام 1946، والوحدة بين الضفتين عام 1950، انتقل الاستثمار في الاْردن من الزراعة والتجارة والخدمات إلى قطاع التعدين والصناعة. ومن الأمثلة على ذلك شركة الاسمنت التي دعا إلى اقامتها نَفَر من التجار أمثال صبري الطباع ورياض المفلح توفيق القطان وصبحي الحاج حسن. وشركة الفوسفات التي بدأ بها عبدالرحمن أبو حسان ومحمد على بدير، ومصفاة البترول التي بدأت بمحمد علي بدير وعبدالحميد شومان، وشركة الكهرباء الاردنية بمحمد علي بدير وغيره. وظهرت المستشفيات الخاصة مثل مستشفى ملحس، ومستشفى فرعون بعمان،عدا عن المستشفى الايطالي ومستشفى لوزميلا كجمعيات تطوعية، وهذا غيض من فيض. فهنالك شركة الدباغة، وشركة البطاريات الجافة، ومصنع الحديد، وغيرها.

واستمرت العلاقة بين القطاعين العام والخاص مستقرة طوال الخمسينيات حتى دخول الأردن في مرحلة التراجع الاقتصادي بعد حرب عام1967 إلى نهاية عام 1971، وأُنشئت وزارة التموين من أجل أن تضمن توفر السلع الاساسية بكميات كافية ونوعية جيدة وأسعار معقولة». ولما وقعت أزمة السكر عام1972، واستفحلت إلى عام1974 حين خرجت بعض الدبابات مِن الزرقاء باتجاه عمان، أُنشئت وزارة التموين والتي كانت مجرد دائرة بوزارة الاقتصاد الوطني.

وقد أولت حكومة السيد مضر بدران الأولى، والتي خلفت حكومة زيد الرفاعي الأولى، كل العناية للوزارة العتيدة. فأُنشأت المؤسسة الاستهلاكية المدنية عام1976، والتي اتفق على إنشائها في اجتماع عُقِدَ في قصر بسمان العامر برئاسة الراحل الملك الحسين سنة 1975. وقد تولى الوزارة عدد من الشخصيات الاْردنية مثل علي حسن عودة، وصادق الشرع، وصلاح جمعة، ومروان القاسم، ثم أنا العبد الفقير عام 1979 ومن بعدي عدد من الوزراء مثل ابراهيم أيوب طوال حكومة مضر بدران الثانية 1980-1984، وآخرون.

وقد خدم المرحوم محمد السقاف أميناً عاماً لتلك الوزارة حين كان يتبنى المفهوم الاشتراكي كعنصر بعثي عريق. ولقد راجت فكرة انشاء الوزارة في مصر وسوريا والعراق، والتي كانت تدار بفلسفة اشتراكية. وقد تَسَلمتُ الوزارة حسب ما اعتقد لأنني كتبت لحكومة مضر بدران كتيباً أُلقي على شكل خطاب قُدم للمجلس الوطني الاستشاري عام 1978، حينما ثار بنو صخر وعدد من عشائر أهل الجنوب لتجرؤ الحكومة على رفع سعر الخبز، والأهم سعر العلف.

والواقع أن الوزارة في رأيي كانت بتدبير من القطاع الخاص، مدفوعاً بنصائح خارجية من دول رأسمالية. فتجارة السلع الغذائية الرئيسيّة في العالم كانت محكومة بسبع شركات عالمية يطلق عليهم إسم «The Merchants of Grain»، أو «تجار الحبوب». وكانت هذه الشركات تتحكم في معظم تجارة العالم بالسكر والأرز والقمح والصويا والقهوة. وقد مثّل كل شركة من هذه الشركات مندوب في عمان مثل شركة يس التلهوني، وشركة الطباع، وشركة وهبه تماري، وشركة قلعجي، وشركة جورج دكسيان، وغيرهم.

تولت هذه الشركات الأردنية الأسرية مهمة استيراد السلع فكانت قبل وزارة التموين تتحمل كلف فتح الاعتمادات (back to back) وضمان جودة البضاعة، وشحنها، وتأمينها، وتحميلها، وتفريغها، وخزنها ونقلها إلى تجار نصف الجملة والمْفَرّق. هذا عناء وجهد كبير. ولذلك، أنشأنا وزارة التموين والتي تقوم بطرح عطاءات كبيرة لا يقدر على الدخول فيها إلا هؤلاء التجار، ويحددون الحصص فيما بين بعضهم بعضاً، ويحصلون على العطاءات، ويضمنون استلام أثمانها، ثم تقوم الوزارة بالنيابة عنهم باستلام البضاعة، وشحنها من العقبة، وبناء صوامع ومخازن لتخزينها، ونقلها من المخازن الى التجار. وهل هنالك ترتيب أجمل من هذا الترتيب؟!

وتوسعت الوزارة في السبعينيات والثمانينيات في زيادة صلاحياتها. فصارت تراقب الأسعار وتحول التجار إلى المحكمة العسكرية، وحددت أسعار مشتروات تشكل حوالى 70% من موازنة الأسرة، هذا عدا عن تسعير الايجارات بقانون المالكين والمستأجرين، والأدوية التي تسعرها وزارة الصحة، وقطع غيار السيارات، وأسعار المياه والكهرباء، والمشتقات النفطية. فصرنا دولة تتحكم فيها الحكومة (وليس السوق) في تحديد أسعارها بدءاً من الخس حتى القطايف في شهر رمضان.

والطريف أن كل هذا حصل في فترة شهدت ارتفاع الأسعار لسنوات عدة بمعدلات لم يشهد الأردن لها مثيلاً. وقد تراوح معدل ارتفاع الأسعار من عام 1974-1983 بما معدله 16% سنوياً، بالرغم من كل التدخل الحكومي والمخالفات والمحاكمات العسكرية بقصد ضبط الأسعار.

كان لا بد لهذا النظام التحكمي في السوق أن ينتهي. ولما كان عام 1989، وحصول أزمة المديونية العالمية، تبين أن نظام التدخل في الاسواق قد حَمَّل الحكومة أعباء فوق طاقتها. فانهار الدينار، ودخل الاْردن في مرحلة العسرة الاقتصادية التي تزامنت مع انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، وزيادة الأعباء الأمنية والعسكرية على الحدود الأردنية، ثم جاءت حكاية احتلال الكويت، وتَوَقُّف مصادر النفط بسبب قرارات الامم المتحدة ضد العراق. وإضافة إلى هذا كله جاء زمن الخصخصة، والذي بدأ عام 1986 حينما انهار سعر النفط إلى ثمانية دولارات للبرميل. فصار التحول من القطاع العام إلى الخاص المحلي والعربي والدولي. ولهذه الحكاية بقية..