«رسائل من الشاطئ الآخر».. مجموعة رسائل متبادلة بين الكاتب الصحفي المصري حسام عبد القادر والدكتورة دلال مقاري باوش مديرة معهد دراما بلا حدود في ألمانيا.. حول هموم وقضايا مشتركة تهم الوطن بمفهومه الشامل، وتعبر عن كثير من القضايا التي تؤرقنا نحو وطننا وتتحدث عن الغربة خارج الوطن وداخله، خاصة قضايا الهجرة والسفر والهروب عبر البحار والمحيطات لمستقبل غامض على أمل في غد أفضل. هذه الرسائل الأدبية تذكرنا بجنس أدبي افتقدناه كثيرا وهو أدب الرسائل أو فن الرسائل والذي يعد من الفنون الأدبية القديمة، وهو فن نثري جميل يظهر مقدرة الكاتب وموهبته الكتابية وروعة أساليبه البيانية القوية. والرسالة نص مكتوب نثرا، يبعث به صاحبه إلى شخص ما، كما تعتبر الرسالة الأدبيّة من أهم فنون السرديات؛ حيث تخاطب الغائب وتستدرجه عبر فنيتها ببلاغة الكلمة وقوتها.

الرسالة التاسعة والعشرون.. ماذا فعلت الأفكار بنا؟

صديقتي العزيزة دلال

هل يمكن أن يصاب الإنسان بصداع من كثرة الأفكار التي بداخل رأسه؟ وهل هذا طبيعي، لأني أشعر بهذا الصداع كثيرا، وهل شعرت من قبل بالأفكار تتشابك وتتعارك داخل رأسك؟ هو شعور غريب ينتابني كثيرا ولا أعرف السبب لدرجة أني أحاول فض الاشتباك بين الأفكار بعضها البعض وأشعر أن هناك أفكارا ترفض المغادرة أو التنازل لتستمر المعركة.

الأهم والأغرب هو أني في أحيان أخرى أشعر أن رأسي فارغ تماما ولا يوجد به أي أفكار، وأظل أبحث وأتساءل أين ذهبت كل المشاحنات التي كانت دائرة ولماذا اختفت إذن؟

وأشعر أحيانا أن الوقت يجري سريعا جدا ولم أحقق عشرة بالمئة مما أريد، وفي وقت آخر أشعر أن الوقت يمر بطيئا جدا وأنه لا يوجد ما أحققه، هل هذا التناقض طبيعي برأيك؟

هل للوحدة والغربة تأثير على هذه المشاعر؟ علما بأن هذا يحدث لي من زمن طويل، ولكنه ازداد كثيرا الفترة الأخيرة.

أضحك كثيرا وأقول أني جننت، وابدأ في اجراء بعض الاختبارات لأكشف على قوة عقلي، فأجده بخير، وأن كل شيء يسير على ما يرام، ولكنها الأفكار والخواطر وما تفعله بنا.

ويتبادر إلى ذهني سؤال مهم، هل الأفكار تسافر وتنتقل من مكان إلى مكان؟ فالأشخاص القريبين من بعضهم البعض قد تنتقل الأفكار بينهم بسهولة جدا، ويتقابلون في فكرة واحدة دون اتفاق مسبق، ومهما بعدت المسافات تظل الأفكار واحدة، فالأفكار لا تعترف بالمسافات.

وبخصوص لعبة الزمن والمسافات، أتذكر مقالا كتبته من فترة عن البلورة السحرية، والبساط السحري، تلك الأدوات التي كانت تبهرنا عند مشاهدتها في أفلام السينما، وكان البطل ينظر في البلورة السحرية فيرى من يريد ويعرف المكان الذي يتواجد به، أما البساط السحري فهو يجلس عليه ليذهب به إلى أي مكان في سرعة ووقت قياسي.

كل هذه الأدوات الخيالية وقتها أصبحت موجودة الآن، والتكنولوجيا وفرت كل هذا وأصبح جوجل مثلا هو البلورة السحرية والبساط السحري أيضا، وأصبح الزمن نسبيا جدا، واتأمل كثيرا عندما أركب طائرة وانتقل من قارة إلى قارة، وأظل مسافرا يوما كاملا ثم أصل في نفس اليوم الذي سافرت به أو العكس، وهو ما يحدث نوعا من خلل في الساعة البيولوجية لكثير من المسافرين ويظلون ساعات بعد الوصول لا يتمكنون من التركيز ولا يعرفون النوم أو ينامون مددا طويلة جدا، لأنهم لم يمر عليهم ليل أو نهار، فهم سافروا بالنهار ووصلوا بالنهار في نفس اليوم، أو العكس، فهم يسافرون عبر الزمن إذن!.

وحاليا أنا في ولاية كيبيك بكندا، وتوقيتها قبل توقيت مصر بسبع ساعات، وقبل توقيت الإمارات بتسع ساعات، إذن فالأحداث في مصر والإمارات تحدث ونحن لم نعلمها بعد، أم هل نحن نعلمها قبلهم؟

فما بالك بولايات داخل كندا توقيتها قبل توقيت ولاية كيبك بأكثر من عشر ساعات، إذن فالفرق بينها وبين مصر سيكون 17 ساعة، وبين الإمارات 19 ساعة، إذن قاربنا على يوم كامل فرق في التوقيت.

هل سببت لك ربكة في أفكارك؟ لأن الربكة موجودة في دماغي بالفعل كما ذكرت لك، والأفكار تتداخل، إذن مَن قبل مَن؟ وهل الحدث يتم في وقت واحد أم في وقتين؟ فإذا حدث انفجار لا قدر الله في دولة من الدول في لحظة معينة في يوم معين، من سيعرفه الأول؟ من هم في مصر أو الإمارات؟ أم من هم في كندا أو الولايات المتحدة؟ وإذا كان هناك من يعرف أولا، فهو يمكن أن يخبر آخر موجودا في قارة أخرى.

عذرا دلال، أعرف أن رسالتي لك هذه المرة تبدو غريبة، وقد تضحكين علي الآن، أو تظنين أن عقلي بعافية، ولكنها الأفكار المتداخلة والتأمل الشديد الذي يشعرني بالدهشة والحيرة في وقت واحد.

في انتظار ردك وإياك أن تحتاري حيرتي، فأنا انتظر منك أن تدليني لا أن نحتار سويا.

حسام عبد القادر

يسعد أوقاتك كابتن حسام

آسفة تأخرت في الرد! أو كنت أفكر بطريقة تحملني إلى الأدب هربا من المتاهات الفكرية التي إنبعثت من رسالتك!.

حاولت الهرب إلى النصوص المدهشة الأولى، عبر ممرات لا تنغلق وتعج بالإمكانات، حيث الفراغ المليء بالرؤى والإختبارات.

هكذا تمتليء الحياة ياصديقي، بألوان جديدة، وأفكار جديدة، تتحلل مرة وتعود برعونة مرة أخرى، في رقصة روحانية، لا نهاية لها.

طمأنينة مفرطة، تجعلنا نعلق المخاوف على مشجب سري، خلف الأبواب لننتمي إلى البدايات، رغبة في الإكتشاف الأول، والدهشة الأولى، كنص بدائي فريد، لم تخدشه الأسلوبية والشكل، يواصل مسيره بإتجاه حقيقة الجذور.

أخبرني حسام، كيف تشتعل قناديل السؤال؟

كيف تهب الأفكار في أروقة الروح؟

تفتش عمن يلقح الأزهار الحائرة، النافرة، الهزيلة، والمشاكسة، تحمل معها مفاتيح وتجارب، وفصول عامرة بالتجدد.

ويا لها من رحلة (الفينيق) إنبعاث من رماد الموقد، في مطبخ ساندريلا! إلى قصر الأمير بعروقه الزرقاء!.

رحلة الحلم الإنبعاث، رمت ضفائر الطفولة في مياه التجربة، وسحقت تحت أقدامها بذور العجز، وطارت.

كل شيء يبدأمن حلم وفكرة، سعيد من خطت في خيالاته نسائم الفكرة، شعلة من البنفسج، واللوتس، ونوافذ الصباح الصافي، وها نحن تطيرنا نسائم الأفكار حسام، لنلتقي ببعضنا، في مواقد الشمس.

ننسج الخيوط، نحصي الكواكب، نسافر في هندسة الأشكال المفتوحة على الأفق، عالم من رمال الصحراء المتحركة، وثورة المحيطات، وإنكسار الجبال الشاهقة.

حالة من التمزق والتوحد (توصلنا إلى منابت الفكرة) المتأرجحة بين المتعارضات، روافد قادمة من عالم مختلف الأفكار والأحرف، والأصوات!.

يعلق في مخيلتنا أجراس الحكاية البيضاء، يحدث أحيانا أن تمتلئ بصخب الفكرة، يحدث أحيانا أن تكون خاو من الفكرة! إنسان يعبر الفصول الأربعة، بمزاج رائق، مترع بالثقة.

يهب الحياة الغارقة في الثرثرة، حضورا صامتا (وما الصمت إلا حديث لم يقال)

مجددا حسام التقيك على حبال المعاني

دلال مقاري باوش