إننا في زمن الفيروسات الخطيرة. زمن يحصد الكثير من الموتى بلمح البصر. زمن مخيف لانتشار فيروسات نجهل مصدرها الحقيقي، ولا نعرف كيف ستنعكس الإصابة بها على أجسامنا على المدى البعيد. حتى اللقاحات المتوافرة حالياً والتي يتم إعطاؤها لملايين الناس لا نعرف ما هي تأثيراتها الفعلية على امتداد سنواتٍ قادمة. لقد أوضح فيروس «كوفيد- 19» المستجد بلا شك أن بعضنا لا يعاني كثيراً حين يلتقط العدوى، بينما يصاب بعضنا الآخر بمرض حاد، وقد يودي الأمر به حتى الى الوفاة في بعض الاحيان. قد يكون كبار السن من أبرز المتضررين لكن ينجو بعضهم أحياناً، بما في ذلك أشخاص فوق عمر المئة. في المقابل، يموت أفراد أصغر سناً مع أن مناعتهم يُفترض أن تكون أقوى من غيرهم. ما هي العوامل التي تقوي مناعة بعضنا بغض النظر عن عمرهم؟ وما الأسباب التي تجعلك تلتقط العدوى من دون أن يمرض أفراد عائلتك أو العكس؟

نعرف أن أداء جهاز المناعة يتراجع تدريجياً مع التقدم في السن. ومثلما تتضح الاختلافات بين صورنا القديمة والجديدة، يسهل أن نرصد التغيرات الحاصلة على مستوى الوجه والبشرة ولون الشعر. تحصل هذه العملية مع مرور الوقت، وهي تنطبق أيضاً على جهاز المناعة.

يقول البروفيسور إينسو كانغ، خبير حساسية واختصاصي في علم المناعة يدرس الشيخوخة البشرية منذ 20 سنة: «تتغير الخلايا المناعية مع التقدم في السن، وبخاصة CD8+ T (نوع من خلايا الدم البيضاء)، فيتراجع عددها مع أنها ضرورية للتعرّف على كائنات دقيقة جديدة مثل فيروس «كوفيد- 19». تحصل هذه العملية مع جميع الناس بدرجة معينة، لكن بإيقاع مختلف».

لايزال الاختلاف في وتيرة التراجع بين الناس من أكبر الألغاز العلمية. جهاز المناعة معقد، لكن يدرك معظمنا أسس عمله: يرصد الجسم كائناً دخيلاً (فيروسات، جراثيم، طفيليات، عناصر خارجية) وينتج خلايا الدم البيضاء لمحاربة المشكلة. تتعلق المعادلة الأساسية بعدد الخلايا التي ينتجها الجسم في عمر 73 عاماً مثلاً، مقارنةً بما كان ينتجه في عمر الخامسة والأربعين. هذا السؤال هو جزء محوري من أزمة كورونا اليوم: كيف يُعقَل أن ينجو رجل عمره 104 سنوات فيما يموت أشخاص في نصف عمره أو أقل؟

لن يستمر الوباء إلى الأبد لحسن الحظ، لكن يمكننا أن نستفيد منه لفهم طريقة تغيّر جهاز المناعة البشري مع التقدم في السن واستكشاف كيفية إبطاء تراجعه وتحسين مخزوننا المناعي الاحتياطي تحسباً لأي مرض مستقبلي.

المناعة والشيخوخة

يقول البروفيسور أتول بوت المتخصص بعلم الأوبئة والإحصاء الحيوي وطب الأطفال: «لا ينتج الجسم بكل بساطة العدد نفسه من الخلايا المناعية مع التقدم في السن، لكن لا أحد يعرف السبب».

تعاون بوت مع فريق بحثي لإجراء مراجعة شاملة لـ242 دراسة مناعية تكشف أنماط تغيّر مناعتنا مع التقدم في السن. مع الوقت، تتراجع أعداد بعض الخلايا المناعية الأساسية، مثل الخلايا البائية (خلايا الدم البيضاء التي تنتج أجساماً مضادة لمحاربة العدوى) والخلايا التائية (خلايا الدم البيضاء التي تهاجم الفيروسات). يحمل البشر مثلاً نوعَين من الخلايا التائية: خلايا «الذاكرة» التي احتكّت سابقاً بمُسببات الأمراض و«تتذكّر» طريقة محاربتها، والخلايا «الساذجة» التي لم تحارب أي كائنات في السابق، منها خلايا CD8+ الآنف ذكرها. من الملاحظ أن عدد الخلايا التائية الساذجة يتراجع مع التقدم في السن.

يُعتبر فيروس «كوفيد- 19» غير مسبوق مثلاً، ما يعني أن الجسم لا يشمل أي خلايا تائية قادرة على تذكّره للتحرك بالشكل المناسب، مع أن الأبحاث الجديدة تكشف أن البعض طوّر دفاعات معينة ضده في حال احتكّ في الماضي بأحد فيروسات كورونا السابقة. تضطر الخلايا الساذجة في هذه الحالة لخوض المعركة لكن تتراجع أعدادها لدى كبار السن تحديداً. هذا ما يجعل معظم الناس في هذه الفئة العمرية أكثر ضعفاً. لكن لا ينطبق ذلك على جميع المتقدمين في السن، لأن التراجع المناعي لا يحصل بالطريقة نفسها دوماً. لاحظ البروفيسور بوت في مراجعته مثلاً أن بعض كبار السن الأصحاء لم يسجّل أي تراجع في عدد الخلايا التائية أو كان ذلك التراجع بسيطاً، حتى أن بعضهم حمل نسبة مساوية للأصغر سناً، وتحمل النساء أعداداً أكبر منها مع التقدم في السن بشكل عام.

لا أحد يعرف النسبة الصحية من الخلايا البائية والتائية.

يوضح بوت: «عند إجراء الفحوصات، أصبحت المعدلات الطبيعية من الهيموغلوبين أو مستويات الحديد مثلاً معروفة. لكن لا فكرة لدينا حول المستوى الطبيعي من الخلايا البائية والتائية. حتى أننا لا نقيسها في فحص الدم العادي».

قد تكون أسباب تراجع هذه الخلايا الأساسية مع مرور الوقت متشعبة. هل ترتبط بالعوامل الوراثية أم أسلوب الحياة؟ يعرف العلماء أن الوراثة لها دور مؤثر، لكن لايزال تأثيرها مقارنةً بالبيئة المحيطة وأسلوب الحياة محط جدل.

غالباً ما تُسبب العوامل المرتبطة بأسلوب الحياة، مثل قلة النوم والضغط النفسي المزمن واكتساب الوزن، التهابات خفيفة ومزمنة، وقد تنشأ هذه المشكلة أيضاً بسبب اضطرابات أخرى مثل أمراض المناعة الذاتية وتراجع أداء الكبد والكلى. تؤدي تلك الالتهابات إلى إضعاف جهاز المناعة لأنها تعيق عمله الطبيعي عبر تنشيطه باستمرار.

يقول طبيب الشيخوخة شون شياو لينغ: «هذه العملية تُسرّع مسار الشيخوخة على مستوى الخلايا. تكون معظم الأنظمة داخل الجسم عالية التنظيم».

كيف تنقذ جهاز مناعتك؟

لا يمكن تغيير الجانب الوراثي، لكن تتعدد العوامل التي تنعكس إيجاباً على جهاز المناعة ويمكن التحكم بها لحسن الحظ. قد لا تتمكن من منع ضعف المناعة مع التقدم في السن، لكن يسمح إبطاء هذه العملية بتقوية المخزون المناعي الاحتياطي في أي مرحلة من العمر. إنه عامل أساسي للتعامل مع أي شكل من العدوى.

حين نتكلم عن هشاشة كبار السن تحديداً، يبرز جانبان مهمان: قابلية التقاط العدوى، وحدّة العدوى في حال التقاطها. حتى لو كنت معرّضاً للفيروسات إذاً، قد تُحدد قوة مناعتك مدى خطورة العدوى التي تصيبك. بعبارة أخرى، ستستفيد من جميع وسائل الوقاية الممكنة. تسمح التمارين الجسدية المنتظمة مثلاً بتقوية أداء المناعة وتخفيف الالتهابات. وفق دراسة نشرتها مجلة «ناتشر ريفيوز إيمونولوجي» في عام 2019، تبيّن أن عضلات الهيكل العظمي تدخل في خانة الأعضاء الأساسية لتنظيم العمل المناعي كونها تنتج بروتينات مضادة للالتهاب وواقية للمناعة واسمها «ميوكين». كذلك، تذكر دراسة من العام 2018 أن التمارين الجسدية المكثفة قد تكبح تراجع جهاز المناعة لدى كبار السن.

يوضح كانغ: «الرياضة تقوّي الجسم وقد تكون أهم عامل يمكن التركيز عليه في أسلوب الحياة». يقترح بوت من جهته أن يحاول الناس فهم وضعهم الصحي الحقيقي في الوقت الراهن. قد يرغب مريض الربو مثلاً في البدء بقياس ذروة تدفق الهواء لديه لتقييم الأداء الرئوي الطبيعي في حالته.

يضيف بوت: «يمكن تحسين طريقة فهمنا لهذه العوامل عبر تكثيف استعمال الأجهزة والأدوات الرقمية. عند رصد أي تغيير، لا داعي لإبلاغ الطبيب فوراً بأنك تجد صعوبة في التنفس، بل أخبره بكل بساطة بأن تدفق الهواء لديك تراجع بنسبة 8 في المئة». من خلال متابعة الأمراض المزمنة التي تعانيها، يمكنك أن ترصد أي تراجع سريعاً، ثم تتعاون مع طبيبك لاختيار أفضل مسار علاجي في حالتك.

أهم العوامل المؤثرة على المناعة:

التغذية: يدرك الجميع أهمية الأكل السليم وتجنب البدانة التي تصبح قاتلة حين ترتبط بالالتهابات المزمنة. لكن تكشف الأبحاث أيضاً آثاراً غذائية محددة على مستوى أداء المناعة لدى كبار السن. تذكر إحدى الدراسات المنشورة في مجلة «المغذيات» في عام 2018 أن المغذيات الأساسية، مثل الفيتامينات A وC وE وD وB، بالإضافة إلى حمض الفوليك والحديد والسيلينيوم والزنك، تكون ضرورية للحفاظ على «الكفاءة المناعية»، ويؤدي أي نقص في هذه العناصر إلى تراجع إنتاج الخلايا التائية والعجز عن معالجة الالتهابات. لا بد من إقامة التوازن المناسب.

يقول كانغ: «لا تكتفِ بتناول الخضراوات بل ركّز على استهلاك البروتينات والألياف أيضاً. تُعتبر الألياف أساسية لأنها تغذي الجراثيم المفيدة في الأمعاء وتسهم في تخفيف حدّة الالتهابات. تكثر الخلايا المناعية التي تشارك في تنظيم الصحة المعوية، ولا تقتصر آثار الألياف الغذائية على تنشيط الأمعاء».

الهدوء: تكشف الأبحاث أن الضغط النفسي الخارج عن السيطرة قد يُسرّع تراجع الأداء المناعي. تستلزم هذه الحالة العصيبة استجابة مناعية مزمنة تجاه مسببات الضغط النفسي، ما يؤدي إلى تفاقم الالتهابات. تصبح الرعاية الذاتية أساسية في هذه الحالة، ما يعني ضرورة أن تقوم بنشاطات مضادة للضغط النفسي (تأمّل، استرخاء ذهني، تمارين جسدية)، ولا تتردد في طلب المساعدة لحل المواقف العصيبة العالقة (عمل، مشاكل مادية، الاعتناء بالآخرين). لا يتكلم الناس بما يكفي عن أثر الضغط النفسي على المناعة، لأنه ليس واضحاً وملموساً بقدر عوامل أخرى مثل ساعات الرياضة أو عدد عُلَب السجائر المستهلكة يومياً.

اللقاحات: يؤثر العمر على فاعلية اللقاحات وقوة المناعة. تكون اللقاحات مُصمّمة في الأصل لتعزيز إنتاج المستضدات (لقاح الإنفلونزا مثلاً مصنوع من خلايا الإنفلونزا)، لكن لا يتجاوب الاحتياطي المناعي بالقوة التي كان عليها في عمر الشباب بعد التقدم في السن. لكن لا يعني ذلك الامتناع عن تلقي اللقاحات. يوضح كانغ: «قد تضعف فاعليتها مع التقدم في السن، لكن تتراجع حدّة المرض بفضلها في حال التقاط العدوى. يجب أن يتلقى الناس أي لقاحات يصفها الأطباء لهم بناءً على عمرهم ومشاكلهم الصحية الكامنة».

الأدوية: قد تثبط أنواع معينة من الأدوية جهاز المناعة. في بعض الحالات، تؤدي الستيرويدات القشرية المستنشقة أو تلك التي تُؤخذ عبر الفم (إنها خيارات شائعة الاستعمال لمعالجة التهاب المفاصل والحساسية والربو ومرض التهاب الأمعاء) إلى زيادة خطر الإصابة بالتهابات فطرية. ينطبق الأمر نفسه على مثبطات عامل نخر الورم التي تعالج أمراض المناعة الذاتية مثل التهاب المفاصل الروماتويدي وداء الصدفية. يضيف كانغ: «حتى المضادات الحيوية قد تقضي على الجراثيم المعوية وتُسبّب أشكالاً معينة من الالتهابات». إذا كنت تأخذ أي أدوية بشكلٍ متواصل، تكلم مع طبيبك حول آثارها الجانبية المحتملة على جهاز المناعة وكيفية معالجة الوضع.

دروس مستخلصة من تجربة «كورونا»

بالإضافة إلى الاعتياد على غسل اليدين مطولاً، والوقوف على بُعد متر ونصف من الآخرين، ستُعلّمنا أزمة «كورونا» في نهاية المطاف معلومات إضافية عن نقاط ضعفنا الصحية، كأفراد وكجماعة سكانية تتقدم في السن.