ملك يوسف التل

أول قانون للجيش العربي صدر فـي 2 شباط 1927



مِنْ بين كل أوصاف الزهو الوطني التي قيلت والتي تستحق في الاحتفال بمئوية الدولة الأردنية والتجهيز لدخول المئوية الثانية، فإن الفريق الركن المتقاعد، الباشا فاضل علي فهيد، يأنس لتوصيفٍ يختصر هذا الحدث الاستثنائي في تاريخ الأمة بأنه » مئة سنة.. تجدد تحت السلاح».

تعبير «دولة وأمة تحت السلاح» يعني للجميع الكثير من العز والعزيمة. كونه حديث عن مئة عام من البناء والإنجاز فيما اليد على الزناد. وكونه أيضا تعزيز للنموذج الأردني في المحبة والإرادة والمنعة والوفاء.

لكنه بالنسبة للباشا فاضل علي تعبير يختصر أيضا حياته الشخصية.

فقد لبس زي الجيش العربي الأردني في سن الـ 15 عاما لينال الشرف مجاهدا وفي كتائب الدبابات والدروع. وظل يتدرج حتى اليوم في مواقع المرابطة والاستنفار. شغل عدة مناصب بينها مدير لديوان القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية، ومدير لمديرية التدريب العسكري، وقائد للفرقة المدرعة الخامسة الملكية، ومدير للأمن العام وأكثرها اثارة مشاركته في حرب حزيران (1967) و معركة الكرامة (1968).

واليوم وهو أمين عام جمعية الشؤون الدولية، فإنه ما زال تحت السلاح، في خندق الدراسات الاستراتيجية الذي يمنحه دقة وموضوعية الرؤية، وموثوقية التأشير على الذي ننتظره في دولة الرسالة الهاشمية المستدامة.

في حديثه اليوم، عن مئة سنة للجيش العربي المصطفوي وهي تتجدد بالمسؤوليات القومية والوطنية والانسانية، يستذكر الباشا ويعيد للأذهان تظهير الصورة الملحمية كما رصدها في احتفالات المئوية، راية مرفوعة ينشد لها الجميع بمختلف مفردات الثقة بالقدرة على تجاوز التحديات التي لم ولن تتوقف.

هو حديث فيه استحضار الذاكرة الشخصية، بقدر ما فيه تسجيل اعتزاز بالذي قيل وبالذي يتوجب زرعه في وجدان الأجيال التي ستحمل الراية في المئوية الثانية.

من 21/10/1920

تعود نواة القوات المسلحة الأردنية إلى نخبة من المقاتلين ضمن جنود الثورة العربية الكبرى الذين قدموا مع الأمير عبدالله بن الحسين في 21/10/1920 بمعنى أن الجيش العربي هو جيش الثورة العربية الكبرى، الذي يرتبط تاريخه بتاريخها ارتباطا عضويا.

في عام 1917 أطلق الشريف الحسين بن علي على قوات الثورة اسم (الجيش العربي)، وبعد ست سنوات (1923) أطلق الأمير عبد الله بن الحسين على نواة قوة إمارة شرقي الأردن الاسم نفسه، ليظل هذا الجيش جيشا لكل العرب كما الثورة العربية ثورة لكل العرب.

وقد صدر أول قانون للجيش العربي في 2 شباط 1927، وتعددت مهمات هذا الجيش لتشمل الجوانب الأمنية والحفاظ على سيادة الوطن وأمنه، والأدوار التنموية ومد يد العون إلى الدول الصديقة والمشاركة في قوات حفظ السلام.

ومنذ تكوين الكيان السياسي، اضطلعت المؤسسة العسكرية (الجيش العربي) بدور أساسي في دمج المجتمع الأردني بمشروع الدولة الأردني النهضوي، من خلال إقامة المعسكرات الخاصة وتكوين أفراد ملتزمين أيديولوجياً بالعقيدة العسكرية التي بُنيت على الدفاع عن الوطن والأمة.

وبهذا الجيش، وبمؤسسات الدولة وبالقيادة الهاشمية أصبح للأردن ما يمكن دعوته «زمن وطني» يشار له في كل زمان ومكان، بفخر واعتزاز. فالجيش الأردني جيش العرب والعروبة, جيش مصطفوي انبنى وتربى على حب الدين. وقد دأب على مساعدة المحتاجين والمنكوبين في أصقاع المعمورة، كما ساهم في مسح الآلام من خلال مستشفياته في كل من غزة ورام الله وأفغانستان وليبيريا والكثير من بلدان العالم، وسيظل ظهيرا لأمته قائما بأمر الدفاع عنها مستعدا في كل حين لبذل الأنفس في سبيل قضاياها.

منذ تاسيس الدولة الأردنية وبدايات تأسيس الجيش العربي لعبت المؤسسة العسكرية دورا رئيسا في تحقيق الأمن والاستقرار كما ساهمت في بناء الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للشعب الأردني من خلال مساعدتها في بناء وتطوير وتحديث وحماية الوطن بقصد الوصول إلى مفهوم الأمن الوطني الشامل وهي فلسفة المشاركة لقواتنا المسلحة في التنمية الوطنية الشاملة تنفيذا للشعار الذي أطلقه القائد الأعلى: «على قدرأهل العزم تأتي العزائم.''

للقوات المسلحة الأردنية ادوار اعتزاز في السلم والحرب ومهمتها الرئيسية المنصوص عليها في الدستور الأردني تكمن بحماية حدود المملكة الأردنية الهاشمية اضافة إلى صون المنجزات وتحقيق طمأنينة واستقرار الوطن، والنهوض بالرسالة القومية والدينية.

بداية رحبة أخرى من 1918

في أسفار التاريخ الأردني الضارب بالأصالة، شهدت منطقة شرق الأردن ما بين أعوام 1918 و1921 أحداثا مصيرية متلاحقة على أرضها، لقيت من أهل الثقة والعزم والرؤية، من يستعيد توثيقها بهذا الإحكام الذي يراه الباشا فاضل علي أثيرا بإدة التسجيل والتعميم:

مع انطلاق النهضة العربية عام 1916، شارك أهالي شرق الأردن في أحداثها، وانضموا لجيش الشمال مع الأمير فيصل بن الحسين، وقد سجل الأمير زيد بن الحسين في مذكراته أعداد المشاركين في الجيش من أهالي شرق الأردن ممن ساروا مع الجيش العربي من العقبة حتى دمشق، وكانوا بالآلاف، حملوا راية النهضة العربية وفكرها وانضموا لصفوف الجيش العربي، ومنهم من تحول للخدمة في فلسطين وحرس الحدود والجيش العربي، وهم الذين سيشكلون لاحقا المُكون العسكري والشعبي لدولة إمارة شرق الأردن عام 1921، وهو ما تحقق بتسمية هذا الجيش بـ (الجيش العربي).

ومع نشأة الحكومة العربية في دمشق، عام 1918 أصبحت منطقة شرق الأردن جزءا من أول دولة عربية تقوم على أرض المشرق العربي، بمشاركة العديد من أهاليها في الإدارة مع الأمير فيصل، ويُسجل لنخبة من رجالها مشاركتهم في المؤتمر السوري عام 1920 في دمشق مندوبين عن الأهالي، حيث تم تنصيب الملك فيصل الأول ملكا على سوريا في الثامن من آذار تحقيقا لدعوة الشريف الحسين بن علي «ملك العرب» بإقامة دولة الوحدة العربية على أرض المشرق العربي، وكانت مطالب رجالات المؤتمر السوري الركيزة التي كونت خطاب دولة الإمارة بعد أشهرٍ من انهيار مملكة?سوريا، وهو الخطاب الذي أجمعت عليه كل الفئات والنخب في بلاد الشام.

وتنفيذا لاتفاقية سايكس- بيكو، أطاحت فرنسا في معركة ميسلون بالمملكة السورية، وخرج الملك فيصل الأول من دمشق، وأصبحت منطقة شرق الأردن موزعة بين العديد من الكيانات المحلية فيما عُرف بفترة «الحكومات المحلية»، وكان الأهالي يطالبون باستقلال سوريا ووحدتها ويرفضون تقسيمها، في الوقت الذي أقرت عصبة الأمم الانتداب البريطاني على كل من فلسطين وشرق الأردن، والانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان، وهذا يعني أن الأهالي في شرق الأردن شهدوا الانتقال من العهد العثماني طويل الأمد، إلى أول حكومة عربية تحمل شعارالنهضة، وكانوا جزءا من?هذا المُكون الذي يستند إلى روح النهضة، لكنهم فقدوا وللمرة الأولى فرحة الانتماء لأول دولة عربية في المشرق، وتفرقت العشائر الأردنية في إطار كيانات محلية، بانتظار الإرادة التي تعيد حلم الدولة العربية وسوريا الموحدة من جديد.

زمن نشأة الدولة يحمل مبررات بقائها

هذه هي الظروف المحلية والإقليمية والدولية التي نشأت فيها إمارة الشرق العربي، فزمن نشأة الدولة يحمل مبررات بقائها، لأنها قامت على أسس النهضة العربية، وكان مؤسسها الأمير عبدالله بن الحسين قيادة فكرية وعسكرية وسياسية منذ قيام الثورة العربية في الحجاز.

فقد شغل منصبا حكوميا في مملكة الحجاز الهاشمية، ومن قبل كان عضوا في مجلس «المبعوثان» العثماني في إسطنبول، كما قاد حملة الطائف وهزم الجيش العثماني المرابط في الطائف، وتمتع بمقدرة لغوية مكنته من تشكيل شخصية قيادية خطابية، وتمتع بقدرات القيادة لتأسيس الدولة الجديدة، وأول عناصر تأسيسها تمثلت بتوفر عنصر قيادي يقوم على خلفيته الهاشمية، ويملك مؤهلات معنوية وفكرية وسياسية وعسكرية، فيما العنصر الثاني تمثل بالروح التي تجمع أبناء الدولة الجديدة وهي روح النهضة، التي شارك فيها أهالي شرق الأردن، والإيمان باستقلال سوريا و?حدتها، وهذه الروح هي التي ظلت تشد أبناء الإمارة منذ زمن التأسيس.

الدعامة المبكرة للحفاظ على حدود الإمارة

ولتثبيت هذا الكيان السياسي، والحفاظ على قيم النهضة بالحرية المسؤولة، والدفاع عن التراب والوطن المقدس، تأسس الجيش العربي الذي شكل الدعامة المبكرة للحفاظ على حدود الإمارة، التي قامت متاخمة لمناطق تحتلها دولتا الانتداب الفرنسي والبريطاني، وهذه الحدود تعتبرها العشائر العربية العابرة للحدود مسارات تقليدية موسمية لها، وعادة ما كانت تعبرها في حالات الغزو المعروفة، وقد أدت التغيرات السياسية بعد الحرب العالمية الأولى وقيام الدول في بلاد الشام، إلى عقد معاهدات تُحدد مساراتها وتمنع حالات الغزو.

روح النهضة المتجددة

تجربة التأسيس للدولة والجيش قبل قرن قامت على أسس فكرية تمثلت بروح النهضة، وعلى وجود كيان يحمل فكرا قوميا يقوم على وحدة سوريا ورفض تقسيمها، وعلى إقامة جيش عربي شكلته عناصر عسكرية من المؤمنين برسالة النهضة، وحملوا رايتها، التي أرسلها الشريف الحسين بن علي للأمير عبدالله، والتي ما زالت راية المملكة الأردنية الهاشمية.

تحديات لم ولن تتوقف

لا يجد الباشا فاضل علي نفسه، في هذه المناسبة من احتفالات المئوية المتجددة، بحاجة لاستذكار التحديات والحروب التي خاضها الجيش العربي المصطفوي دفاعا عن الامة ابتداء من الحرب الفلسطينية عام 1948 مرورا بحرب حزيران 1967 مع استدامة المرابطة والجاهزية للمشاركة في كافة الحقوق القومية وصولا للمسؤوليات الانسانية.

ففي كل هذه المناسبات والظروف، ظل الأردن بقيادته وجيشه دولة رسالة هاشمية منذورة للسلام لكنها مضطرة أحيانا لحماية السلام واستعادته بما يستحقة من تضحية ودماء وفداء.

يقول الباشا: ليس مثل هذه المناسبة تستدعي الترحم على الأرواح الطاهرة سوى مقتضيات استذكار تضحيات الجيش المصطفوي الأبيض في حماية أهله من جائحة الكورونا، وهي التي أضافت بها القوات المسلحة فصلا آخر من فصول بناء دولة قامت على رسالة النهضة وتجدد مئويتها برسالة الثقة والتنمية المستدامة والأمان.