المعالم الرئيسية للرؤية الملكية بخريطة الطريق الجديدة والمتجددة لبناء الدولة الأردنية الحديثة، هي محطات توجيهية يجب الوقوف على معالمها وقراءة أسطرها بصورة صحيحة وواضحة، حتى حروفها الصعبة، فالنجاح هدف شرعي يتحقق بالمثابرة والمتابعة وبذل الجهد وتوظيفه بالمكان والزمان الصحيحين، وعلينا التعامل معها بواقعية بعيدة عن الفتوى وزراعة بذور الشك، حتى لو كان هناك عثرات أو تأخيرا، فالنجاح هدف، وقد يخفق من يريد الوصول بمحاولة أو أخرى، ولكنه سيصل في النهاية، لأن توحيد الجهود هو الكفيل بتجاوز الصعوبات، شريطة أن نعرف حجم قدراتنا ونوزع جهودنا، بما يتفق مع المعاني التي نجتهد لتوظيفها وترجمتها.

يمثل الاحتكام لسيادة القانون لبناء الدولة المدنية الحديثة، الأساس الصحيح للتقييم، وقد بدأ جلالة الملك بتوضيح هذه الرؤية عندما تكرم بنشر أوراقه النقاشية للاستئناس بها، فهي الجرعة المناعية الأولى لكل من يسكن فوق الثرى الأردني بسيادة العدالة التي ننشدها، وأنارت لنا طريق البداية، فالسلطة القضائية برمزيتها، تعطينا دفعة قوية لبذل جهود مضاعفة بجميع مجالات الإعمار والبناء، لأنها الضامن للحقوق، وربما أكرر القول بقناعتي بأنها لن يظلم شخص على الأرض الهاشمية الأردنية، ومملكة فتية حديثة قوية مستقرة يحكمها عبدالله الثاني ابن الحسين، لأنه بشرنا وبأكثر من مناسبة بدعمه المطلق للسلطة القضائية لأداء مهمتها، باعتبارها احدى السلطات المستقلة والضامنة للحكم، محذراً من المساس باستقلاليتها، بالتوازي مع دعم مطلق لتشجيع العمل الحزبي والبرلماني كسلطة تشريعية، والمبني على أسس فكرية وطنية تتسابق بزيادة كثافة الثقة وتحجيم الشكوك، فإختلاف الرؤية الحزبية يجب أن يكون على مبدأ تحقيق التقدم والعدالة بين أفراد المجتمع، وبما يحافظ على مصالح الدولة وقوتها المستمدة.

جلالة الملك أعطى لأصحاب الاهتمام للإنخراط بمناقشات مثمرة للبناء؛ فلا مانع أبداً من الاتفاق على قانون انتخاب عصري يراعي مصالح الدولة والشعب، ويفرز ثلة من الأبناء الغيورة والقادرة على العطاء، وبعيدا عن أحلام استغلال المناصب لمكاسب شخصية ضيقة، بسلاح الشعارات على حساب مقدرات الوطن، ومن يجتهد بالتفكير الناقد والعمل، قد يخطىء، ومن يعتقد أن قانون الانتخاب الحالي غير مناسب أبدا، ففرصته الآن ذهبية لتقديم أفكار مجتمعة مع الآخرين والاتفاق للمناقشة تمهيدا لوجود إجماع وطني يلبي الطموحات، وعلينا أن نتذكر دائماً، أن القانون ومهما كانت درجة عدالته، فلن تكون العدالة مطلقة أبداً، ولكن إنصاف الأكثرية يمنح القانون حصانة مستحقة، قابلة للمناقشة والتطبيق، وهي الطريق الصعب الذي يرصف الأداء البرلماني المميز للأعضاء المنتخبين، ضمن محددات مساءلة مستقبلية، عن ترجمة الوعود لواقع، وبعيدا عن الأعذار الجاهزة والمتخمة بمكتبة الألفاظ كمسبب للإخفاق، مثل التحديات الحكومية لإفشاله، وتدخلات مؤسسات معينة بصنع القرار لإضعافه..

ومن يعتقد باستهدافه لمثل هذا التنمر، فعليه أن يعلن استقالته ويرحل، ليكون بطلا وطنيا مضحيا، فنحن دولة مؤسسية، غير مرتبطة بشخص أو ظرف، وعلى الجميع الإدراك، أن الحصانة العشائرية أو الحماية الحكومية، لن تشفع له بالغفران، فعالمنا اليوم مفتوح بوسائل تواصل لا يمكن السيطرة عليها بقانون دفاع أو عقوبة، والحقيقة ليست حكرا على أصحاب السلطة، فأجمل ما في الأزمات، هو أنها تعيد ترتيب الآخرين على حدود التأثير، تكشف معادنهم وتبين للمحقق من يستحق البقاء بالقرب أو الانسحاب لعالم آخر يناسب التفكير، فكل الأزمات ستمر، لكن الذين فشلوا بمهمتهم، قد خذلونا وخذلوا الوطن، ولن نسمح بعودتهم إلى أمكانهم القديمة أبداً، بعد أن امتلك الوطن رصيدا من الشباب المضحي، المؤمن بضرورة المحافظة على الأردن الهاشمي بأقوى صوره وحالاته، وللحديث بقية.