يموت عقل بلتاجي عمدة عمان وأمينها الأسبق بهدوء على عكس حياته التي كانت كلها عملاً بعمل، وقد اختلطت في تكوين شخصيته عناصر قوة متآلفة، فاستوحى من بساطة الطفولة القدرة على ضبط الشهوات، ومن فروسية الكرك ومعان وغزة الشجاعة في الرأي والقدرة على التحمل ومن مقاعد الدراسة القدرة على التفكير والمحاكمة، ومن الحياة القدرة على تحمل المسؤولية.

عقل بلتاجي رجل تميز بالانتماء الصادق المخلص لوطنه فبذل في خدمته كل عمره وكان مع قيادته الهاشمية يدرك أن السؤال الأهم هو كيف ينهض بلدنا بموارده وامكاناته المحدودة، وكان رحمه الله رجلا متعدد الجوانب، فهو الإداري الذي يصنع المدراء والمخطط الذي يضع الرؤية الشاملة، وشخصيا كنت أجد لديه ما أتسلح به من رأي، فكانت مشورته عطاء لا ينضب ومددا لا يعرف الحدود، فكنت دوما أجده يناقش ويحاور بأدب ويهتم بكل شاردة وواردة.

أكتب عن عقل بلتاجي الذي جمعتني به علاقة الابن بأبيه والجندي بقائده والتلميذ بشيخه وأستاذه، وكرجل دولة حُق له علينا الاعتراف بمنجزاته وصدق عطائه، فنحن في الدولة الأردنية نقتفي أثر قيادتنا الهاشمية التي تحترم رجالاتها ولا تنكر طيب أفعالهم، وبلتاجي أحد هؤلاء، وقد وُهبَ من الصفات والأخلاق والنُبل والسماحة والصبر والثقافة الواسعة التي عبر عنها وعن شدة تعلقه بالهوية والأرض الأردنية، ولعل خير ما تجلى به ذلك ما كان يثري به اللقاءات والمنتديات والحوارات بمداخلاته القيمة ونقاشاته الثرية الممتعة بمنتهى ما عُرف عنه م? سمو أدبه ولغته الرصينة وحكمته البالغة التي اكتسبها من معترك الحياة التي سبر أغوارها في مراحل مبكرة من عمره، تلك الحكمة التي أُوتي بها من الله خيرا كثيرا.

إن رجلا هذا سجله لا تنمحي صورته من أذهان محبيه وعارفيه ولا ينقطع ذكره بل يستمر بقدر ما يظل مثله حيا في محيطه خصوصا في هذه الظروف المصيرية التي يحتاج فيها الوطن إلى التمسك بالثوابت في هذا الخضم المتغير، ولعمري أن الرثاء صعب حين يكون الجرح عميقا والحديث عن نصف قرن وزيادة قضاها بلتاجي يخدم وطنه يحتاج إلى من يمتلك القدرة على إعادة قراءة تاريخ الرجل ويسجل أفكاره بعقل نير وضمير أمين.

تمكنت كورونا من عقل بلتاجي وسلبت ضحكته البريئة الصادقة من بيننا ولم تمهله طويلا لمواصلة أداء رسالته، لكنها لن تقوى على إخراجه من ذاكرتنا، فهو باق فينا وفي عقل وضمير كل أردني مخلص صادق الانتماء لوطنه وعظمة أمته، كيف لا واسمه مكتوب في ربوع الوطن على أكثر من منعطف وركن وزاوية، وهذا بنظري هو عقل بلتاجي رجل الممكن ورجل الاعتدال، رجل المثابرة والانجاز، هادئ النفس رضي المعشر.

يعزُّ عليَّ أن أديرَ عيني... أفتشُّ عنك ولا أراك!

يومَ الوداعِ وهل أبقيتَ في خلَدي.. إلا الأسى في حنايا القلب يستعر

Ahmad.h@yu.edu.jo