عمان - شروق العصفور

قال الكاتب والشاعر د.محمد مقدادي أنه «إذا كان لكل ظاهرة أدبها الخاص، فعلى البشرية أن تنتظر مزيدا منها، وعلى النخب أن تتهيأ لصياغة أدب الفقر وأدب الجريمة وأدب الأوبئة». وأضاف مقدادي في حوار مع «الرأي» أن على الكتّاب أن «يشحذوا نصال أقلامهم ليدوّنوا كل ما يمكن تدوينه من أدب حول السجون المفتوحة والحروب التي لا تنتهي».

وأكد مقدادي أن «سياسة الاسترخاء التي مارسها المثقفون عملت على تجميد الفعل الثقافي وتحجيم دوره، ثم تغييبه تماما عن واقع الحياة وكل ما يستهدفها».

وتاليا نص الحوار:

كيف تقضي يومك وسط هذه التدابير الهادفة إلى حماية المجتمع من جائحة كورونا؟

- أعترف بأن إحساسا جارفا كان يداهمني قبل هذه الأزمة ويشكل لدي موقفا من المدينة التي أخذتني من يدي واقتادتني إلى زوايا العتم والضجر وكبّلت يدي بقيودها اللامعة وأسرتني، إلى وقت ما، ابتساماتُ أهلها المنشّاة.

الجائحة أعادتني إلى بياض قريتي، البياض الشاسع الحميم، وها أنذا أستعيد أحلامي التي هتكَ عذريتَها الضجيجُ على أسرّة الشغف والجنون والفوضى، وأسترد ملامحي التي شوهتها عقود من البحث عن المعنى في اللا معنى، وعن شيء في اللاشيء.

أمضي وقتا ممتعا في مصاحبة الحياة التي يمنحها التنفس المريح فرصة لإعادة النبض لتعود مورقة بكامل خضرتها وبهائها الخفي.

هل عملت هذه الأزمة على تغيير مفاهيمك تجاه الحياة؟

لم يتغير مفهوم الحياة بالنسبة لي، بل تأكدت من صحة ما اعتقدته بأنها حالة من رفاه مصطنع وزخرف يسير في طريقه إلى التلاشي والزوال، فالحياة ليست إلا طورا من المراوغات والعيش المرتهن لمتطلبات بلا حدود، وانتظار المجهول الذي لا يعرف أحد كيف يجيء ومتى. وهذا يمثل حالة من العيش على وقع الوهم والرقص الموصول على حبال مشدودة من الأمل والترقب.

هل ساهمت الظروف الراهنة في توجيه قراءاتك؟

- ربما فعلت ذلك من غير وعي مني ودون سابق إصرار، ذلك أنني بتّ أكثر ميلا للقراءة التأملية في كل ما هو منجز كنت أخاله جميلا ومتفردا لأنه يقترب من الحياة ويعمل على ملامسة الحلم والضباب المتشكل على الذرى التي حاول الكثيرون الوقوف عليها، لكنهم فوجئوا بهذا الزلق الذي أطاح بكل ما حملته إبداعاتهم من تشويق ومتعة وانبهار.

هل دفعتك أزمة كورونا إلى الكتابة حولها؟

لم أكتب شيئا خاصا حول هذه الجائحة لأنها تمثل بالنسبة لي حالة جزئية ومبتسرة من الوضع الحرج الذي تعيشه الإنسانية على صعيد القيم والسلوك والفقر والبطالة والإستبداد، وهي إفرازات الانتصار المؤقت لنموذج القوى الطاغية التي تعمل على قولبة العالم وتدجين شعوبه وتشكيل ما يمكن أن أطلق عليه مصطلح «القطيع المستكين» من خلال تكوين عقل جمعي مطواع ومنقاد لكل أمر فوقي بكل ما تحمله هذه الأوامر من تعسف وطغيان وتعد صارخ على إنسانية الإنسان الذي بات موضوعا لأدوات مهيمنة تفرض العزلة والاعتكاف القسري وسيادة حالة من الهلع المجتمعي واللايقين إزاء العطب الذي أصاب الأعصاب والرؤوس ومفاصل الحياة البشرية التي لم تعد تحمل ذاك البريق الذي تحمّلنا لأجل بلوغ سرابه كل هذا الضنك والعذاب الممنهجَين.

هل تعتقد أنه سيكون هناك أدب يسمى «أدب كورونا»؟

إذا كان لكل ظاهرة أدبها الخاص، فعلى البشرية أن تنتظر مزيدا منها، وعلى النخب أن تتهيأ لصياغة أدب الفقر وأدب الجريمة وأدب الأوبئة التي يجري تصنيعها في مخابر الموت المجاني خدمةً لمصالح المال والنفوذ، وعلى الكتّاب أن يشحذوا نصال أقلامهم ليدونوا كل ما يمكن تدوينه من أدب حول السجون المفتوحة والحروب التي لا تنتهي.

أعتقد -بكل مرارة وأسى- بأن الناس سيعتادون على كل هذا، فقد حققت الصورة المنقولة على مدار الساعة عبر الفضائيات ووسائل التواصل على تكريس الاعتياد، وتحييد الإحساس المباغت بالمشهد، وهو أسوأ ما وصلت البشرية إليه، لأن ما كانت تأنفه النفوس وترتجف الفرائص لمجرد سماع خبر عنه، بات أمرا عاديا ومستساغا، بل أقل كثيرا من توقعات المتلقي الذي يمثل الهدف الأول للعبة إلإعلامية الكونية الشرسة.

إنني كمثقف منخرط في تقاطعات ما يجري في هذا العالم الصغير، ومدقق في تفاصيل قد لا تبدو مرئية للكثيرين، أعتقد أننا أمام تحديات مصيرية تفسد على البشرية كل ما بين يديها من خير، وتعمل على تقويض كل المنجزات الحضارية الراشدة، وتقودها إلى نهاياتها المفجعة إن لم يتصدَّ أدب حقيقي يعمل على تشكيل وعي عام ويحشد قاعدة جماهيرية صلبة وعريضة لمجابهة الأفكار التي جعل مروجوها من الحياة مطية لتحقيق أحلامهم المريضة وأرادوا من العالم أن يصدّق زيف أساطيرهم ويمضي معهم مستسلما حتى نهاية الشوط وهم لا يعطون أي قيمة لما سيخسره العالم من أخلاقيات ومفاهيم، وما ستُلحقه قوى الظلام وحليفتها قوى رأس المال من تهشيم للضمير الإنساني المتهالك على عتبات الفقر والجوع والأوبئة ويكاد يستوفي كل شروط غيابه عن المشهد برمته.

كيف يمكن للقطاع الثقافي أن يخرج من حالة الجمود التي فرضتها الجائحة؟

- إن سياسة «الاختباء وراء الإصبع» التي مارسها المثقفون على وجه العموم، في مواجهة الأحداث الجسام التي عصفت بجماليات هذا الكون وأسفرت عن تعظيم الحالة الفردية وترسيخها كخطوة للتفكيك المجتمعي لإعلاء شأن المادة على حساب الروج الجامعة لأحلام الناس وأوجاعهم، تلك السياسة الاسترخائية عملت على تجميد الفعل الثقافي وتحجيم دوره ثم تغييبه تماما عن واقع الحياة وكل ما يستهدفها.

فقد وقفت الثقافة مترددة في كل المعارك التي كان من البديهي أن تقودها انتصارا لقوى الحق والعدل والحرية، باعتبارها القوى المحركة لكل ما هو راكد في هذا العالم الذي بات رهنا لسياسات خارجة عن إرادة الناس الذين يعيشون حالة من التشظي والضياع. وهو ما يفترض أن تعمل الثقافة على تغييره بالخروج من حالة الجمود والتقوقع التي باتت ملازمة لكل جهد ثقافي فاقد لبوصلته ورؤاه.