وزيران مهمان في تركيبة الحكومة، العدل والداخلية، لا ملاحظات عليهما ولا جلبة حولهما، لكن استقالتيهما كانتا نموذجاً للمسؤولية القانونية والأدبية، ورسالة في كل الاتجاهات بألّا تهاون في تطبيق أوامر الدفاع.

المسؤولية، في مبناها ومعناها، ورمزيتها ودلالتها، حماية الذات والمجتمع من وباء باتت مخاطره عالية، وموجاته كثيرة، وتحوراته تتنوع وكأنها سلسلة لا تنقطع. وتفعيل لمبدأ سيادة القانون على الجميع، وبلا محاباة لأحد، وكذلك تعزيز للثقة بنهج الحكومة وشفافيتها.

وهي كلها معطيات تستلزم الالتزام، والإيمان بأن في هذا الالتزام فرصة النجاة من الأسوأ، ومن تداعيات هذا السوء، اقتصادياً وصحياً واجتماعياً.

وعلى رأس هذا الالتزام، التزام المسؤول ذاته، وعدم تهاونه في تطبيق أمور الدفاع، وإرشادات الوقاية على نفسه، لأنه ببساطة شديدة إذ أخلّ بهذه الأمور، لن يستطيع إقناع عامة الناس بالالتزام.

لذا؛ كانت رسالة رئيس الوزراء الدكتور بشر الخصاونة قوية وفي مكانها، وتعبر عن إصرار والتزام في تطبيق أوامر الدفاع، ومتطلبات الوقاية الصحية على الجميع؛ لإدراكه وقناعته أن التهاون والتراخي في التطبيق، على المسؤول قبل المواطن، معناه أن كل الإجراءات والنصائح والإرشادات لحماية المجتمع، أو تقليل المخاطر عليه، لن تجدي نفعاً، ولن تكسر سلسلة الوباء.

والحال، ليس أمام رئيس الوزراء خيارات، ولا يملك ترفَها، هو ملزم، قانونياً وسياسياً وأخلاقياً، بإنفاذ كل أسباب الوقاية ومتطلبات السلامة لحماية المجتمع أولاً من التداعيات الصحية، وثانياً من التبعات الاقتصادية.

وهذه لن تتحقق دون قرارات حازمة وحاسمة في آن، فلا مكان أو مجال للعواطف في مواجهة الأخطار، والقرارات لا بد وأن تسري على الجميع دون تمييز، والمواطن يريد أن يرى ذلك ويقتنع به كي لا يشعر بالغبن.

نعم، وبلا مواربة، البلد تواجه وباء خطيراً متصاعداً، والأيام المقبلة قد تشهد زيادة في أعداد الوفيات والإصابات بالنسخ المتحورة، ونحن نرى يومياً ارتفاعاً في نسب إشغال أسرّة العزل والعناية الحثيثة والتنفس الاصطناعي.

مع الوقت، وضعف الالتزام المجتمعي، ولامبالاة بعض الناس، قد نجد أنفسنا، لا قدّر الله، أمام تآكل الإمكانات الصحية، وتراجع القدرة على استيعاب من يحتاجون إلى عناية طبية فائقة.

المخاوف هنا حقيقية وجدية وواقعية وليست متخيَّلة، وتضعنا جميعاً أمام خيارين: إما الالتزام الصارم، طوعاً أو كرهاً. وإما ترك الوباء يتمدد، أفقياً وعمودياً، وتركه يدمر كل شيء وتحمل نتائج ذلك.

الأمر سهل، والاختيار بين الطريقين ممكن للجميع ومتاح، فقط علينا أن نقرر بأيٍّ منهما نمضي، وأيَّ نتائج نريد، لأن الحالة الاقتصادية، ومن قبل الصحية الذاتية والمجتمعية، رهن الالتزام أو عدمه.

الحكومة، أي حكومة، بالضرورة، لا ترغب في أن تقيد وتشدد الإجراءات، لوعيها بكلفتها الاقتصادية عليها وعلى الناس، لكن الاضطرار قد يدفعها إلى ذلك، مُكرهة، لأنها بكل الأحوال، أخلاقياً قبل قانونياً، ستضع صحة الناس فوق كل اعتبار، وتتحمل غضب كل متضرر ومستاء وعتبه.

مرة تلو المرة، لا وصفة للنجاة إلاّ بالالتزام..