يؤشر ارتفاع منسوب التراشق الاعلامي ولهجة التصعيد "المبرمجة" بين طهران وواشنطن الى انعدام الثقة العميق بين الجانبين, رغم ما حفلت به تصريحات قادة البلدين من تفاؤل حذِر بإمكانية تجاوز مرحلة الضغوط القصوى التي مارسها ترمب تجاه ايران والتي لم تفضِ الى نتيجة تُذكر, إن لجهة رضوخ ايران وقبولها "التفاوض" مع ادارتِه, ام خصوصا لجهة تخلَي طهران عن سياساتها الاقليمية. خاصة بعد الرسالة "العنيفة" التي وجّهها ترمب باغتيال الجنرال قاسم سليماني المسؤول الأول والمباشر عن تنفيذ سياساتها الاقليمية الطموحة. رغم ما خلّفه الاغتيال من توتّر وتصعيد في علاقات البلدين المُتوتّرة حدود الانزلاق الى حرب لا يعرف احد كيف ومتى تنتهي حال اندلاعها.

رفض طهران دعوة الاتحاد الاوروبي الى مفاوضات "غير رسمية" بين دول "4+1" (دون مشاركة روسيا والصين), عكست إصرار ايران على انتزاع "تنازلات" اميركية, تتمثل بإعلان واشنطن التزام تعهداتها في اتفاق 14 تموز 2015. إلتزامات أخلّ ترمب بها مُبدياً ازدراءه قرار مجلس الامن 2231، فيما تروم واشنطن/بايدن التملّص من اعلان كهذا وجلب طهران الى طاولة المفاوضات, بهدف تمييع مطلب طهران رفع العقوبات. ظنّاً منها (واشنطن) انها قادرة على التأسيس لمرحلة جديدة يتم فيها "فتح" الملّف كاملاً وإخضاعه لشروطها, الرامية توسيع "زواياه" ليشمل برنامجها الصاروخي/الباليستي وخصوصاً دورها الإقليمي. الذي بات يُقلق تل ابيب كما الاتحاد الاوروبي واميركا, ناهيك عن دول اقليمية بعضها مُؤثِّر.

تطور لافت طرأ بعد إعلان واشنطن "خيبة أملها" من رفض ايران المُقترح الاوروبي, تمثّل بإعلان المرشد خامنئي: ان تخصيب اليورانيوم "يجب ان يبدأ اليوم", في وقت كُشِف فيه ان علي اكبر صالحي رئيس منظمة الطاقة النووية الايرانية, كلّف المنظمة النووية بـ"إنتاج 120كغم من اليورانيوم المُخصّب بنسبة 20% في غضون عام واحد، فيما تم إنتاج 25كغم من اجمالي هذه الكمية".

ما يعني ان الامور "ظاهريا" سائرة الى تصعيد, وإن بدا مُبرمجا في اطار لعبة عضِّ الاصابع, خاصة بدخول اسرائيل على خط التصعيد, عبر استثمارها في الحادث "المَشبوه" الذي تعرّضت له سفينة شحن اسرائيلية في بحر عُمان, سارع نتنياهو لاتهام ايران بتدبيره, وتأكيده ان تل ابيب سترد في اماكن عديدة على طهران وكانت الغارات على ضواحي دمشق فجر امس, اشارة لا تخلو من دلالة بأن حادث السفينة مُفتعَل.

في السطر الاخير كلا الطرفين الايراني/والاميركي بحاجة للنزول عن الشجرة التي صعداها, بهدف دفع الطرف الآخر للتراجُع. وهي خطوة ان بدأتها اميركا فلن يكون بمقدورها تحقيق هدفها بـ"فتح" الاتفاق وتوسيع مَلفاته ومداه الزمني والعكس صحيح. وثمة حاجة الان اكثر من اي وقت مضى لـ"معجزة" نحسبها مُستبعَدة, قبل ان يطرأ تطور دراماتيكي في علاقات البلدين اوعلى مستوى الاقليم, يجعل من امكانية التقائهما في منتصف الطريق مسألة مقبولة لكيهما. وربما تتوفّر لروسيا والصين إمكانية تقديم مُقاربة "ما" تسمح للطرفين بالتراجُع المُتزامِن, وإن كان "بايدن" لن يمنح هدية كهذه لمن يَراهما...مُنافِسيْن بمستوى الأعداء.

kharroub@jpf.com.jo