ينشط أصحاب نظرية المؤامرة في البيئة التي تغيب عنها المعلومة الصحيحة، والضحية هنا العامة من الناس الذين ينشطون في تشكيل مواقف اجتماعية «مقاومة ومشككة» تجاه كل ما هو مفيد أو جديد..

نظرية المؤامرة ووفق تسلسلها التاريخي تتهم الحكومات بأنها متآمرة على شعوبها في العادة، إلاّ أنّ كثيرا من الشواهد والدلائل والدراسات أثبتت أن هناك أفراداً وجماعات تمارس «نظرية المؤامرة» ضد باقي أفراد الشعب والحكومة، ومن هذه الحالات ما تم رصده تحت مسمّى «المقاومة الاجتماعية» الرافضة لمبدأ وفكرة التطعيم ضدّ وباء الجدري في القرن الثامن عشر الذي أزهق حياة الملايين، حينما روّجت مجموعات هلامية إشاعات تدور حول مؤامرة تدبرها السلطات للاضرار بحياة الناس من خلال هذا الوباء، حيث أشيع حينها أن كل من يتلقى اللقاح تنبت له?قرون في رأسه، وتعد موافقته على تلقي جرعة اللّقاح تدخلاً في الارادة الالهية وأنه يعارض الحرية الشخصية، كذلك واجهت حملات التطعيم ضد مرض الحصبة في القرن التاسع عشر ووباء انفلونزا الطيور والخنازير وفيروس الايدز مقاومة اجتماعية مشابهة. ترتّب عليها حينذاك قيام المظاهرات والامتناع عن أخذ هذه اللقاحات مما أجبر الحكومات على فرض الغرامات المالية وإجراء المحاكمات. نستنتج من ذلك، إن نظرية المؤامرة تنشط بوضوح في ألاجواء المضطربة كما في حالات الحرب والكوارث الطبيعية ومنها الاوبئة.

جاءت جائحة كورونا في بدايات عام 2020، وحملت معها ما حملت من مؤامرات وتشكيك، فهناك من إدّعى بأن هذا الفيروس تم تصنيعه عمداً بهدف إنقاص عدد سكان العالم الى النصف، وأن كل من يأخذ اللقاح يكون عرضة الى حدوث خلل في جيناته، وقد يصاب بالشلل، وتجاوزت الاشاعة حدّ الادّعاء بأنه يهدف الى زرع شريحة تتبّع الكترونية تنتقل عبر الدم الى مخ الانسان لرصد حركاته وتوجيهه لتنفيذ أوامر وأجندات مختلفة قد تصل الى القتل مثلاً دون إدراك أو وعي.

يقول الكاتب الصحفي في النيويورك تايمز روجر كوهن إن «العقول الأسيرة تلجأ إلى نظرية المؤامرة لأنها الملاذ الأخير للضعفاء» ؛ وأنا شخصياً أتفق معه في هذا السياق وأتساءل: هل نحن ضعفاء فعلاً،وعقولنا أسيرة للاشاعة والمؤامرة؟ الله سبحانه وتعالى حبانا بنعمة العقل، وهو أول رسول بعثه الله لنا ليفكرنا ويذكّرنا بكل ما حولنا لنهتدي ونمّيز به الصواب من غيره. أخيراً، يتحمّل الاعلام مسؤولية كبيرة في تنوير الناس عبر تبسيط المعلومة وشرحها بشكل سهل وسلس، والانخراط تماماً في عملية التوعية الموضوعية لأن سكوته، وتغييبه للحقيقة، ?حظره الاخبار والمعلومات المفيدة يدعم أصحاب نظرية «المؤامرة» ويساند قوى المقاومة الاجتماعية الرافضة والمحاربة لكل إجراءات وبروتوكولات مواجهة هذا الوباء وعلى رأسها » تلقي اللقاح».

الجامعة العربية المفتوحة