طالعنا باهتمام بالغ مقالتكم المنشورة في صحيفة $ والمعنونة (إنهم يتحدثون عن حرب نووية–هل باتت ماثلة). ومن منطلق توضيح وتصويب الامور نرفق لحضرتكم ردنا في ما ذهبت اليه تنبؤات السيد زخاروف.

واذ نتفق معكم حول أهمية الطرح إلا اننا نعتقد بأن تحليل السيد زاخاروف قد جانبه الصواب. ولعل اهم ما يتفق عليه المحللون على اختلاف مشاربهم هو أن فرص نشوب حرب أميركية روسية قد أصبحت ضعيفة جدا بعد مغادرة الرئيس الاميركي السابق دونالد ترمب منصبه. ولعلكم تدركون بانه وخلال عهد ترمب فقد بادرت الولايات المتحدة بالانسحاب من عدة اتفاقيات دولية أهمها (اتفاقية الاجواء المفتوحة) والتي أدت الى كسر الثقة على المستوى الإستراتيجي بين الجانبين الاميركي والروسي. كما ان ترمب لم يتخذ قرارا بالموافقة على تجديد معاهدة (ستارت 2) ال?ي تضع قيودا على انتشار الاسلحة النووية الموجهة بين البلدين، مما ادى الى تفاقم مستوى التهديد النووي بين البلدين. وما زلنا نذكر الجدل الدائر في الاوساط الأكاديمية الاميركية حول عدم أهلية ترمب بالاستحواذ على زر الإطلاق النووي (الحقيبة النووية) والتي كان من الممكن ان يستخدمها بشكل متهور في اي وقت وخصوصا خلال الايام الاخيرة من رئاسته.

وفي المقابل، تشير المعطيات الحالية الى خفض مستوى التهديد النووي بين روسيا وأميركا حيث بادر الرئيس بايدن مباشرة وبعد توليه منصبه الى تجديد معاهدة ستارت 2 والتي صادق عليها الجانب الروسي فيما بعد من خلال مجلس الدوما الروسي. ولعل ذلك يعطي مؤشرا واضحا على استقرار نسبي للعلاقات الروسية الاميركية في عهد بايدن. أما فيما يتعلق بالإنفاق العسكري المتزايد في عهد ترمب فمن غير المتوقع انخفاضه في عهد بايدن. ويخطئ من يظن ان الميزانية العسكرية الاميركية المتصاعدة تشير الى مواجهة عسكرية محتملة – بل على العكس تماما فان الانف?ق العسكري الاميركي المتزايد يأتي متسقا مع اسس العقيدة العسكرية الاميركية والتي تنطوي على الاحتفاظ بجاهزية عسكرية مستمرة والتمسك بمستويات ردع متقدمة. ولعلكم تعلمون بأن الموازنة العسكرية الاميركية تشهد زيادة سنوية مضطردة منذ نشأة الولايات المتحدة الاميركية ويعكس هذا النمو المتصاعد لهيمنة ما يسمى بالمجمع الصناعي-العسكري الذي بات مؤثرا على صانع القرار الاميركي (ديموقراطيا كان ام جمهوريا). وترتكز ايديولوجية المجمع الصناعي-العسكري الاميركي في الحفاظ على التفوق العسكري النوعي والكمي للولايات المتحدة ضد اي خصم محت?ل في ظل عالم أحادي القطبية.

وبالاشارة لمقالكم المهم، يحذر السيد زاخاروف من أن هناك احتمالية للتوجه بشكل سريع نحو حرب يتورط فيها حلف الناتو مع روسيا. وهنا من الواجب التذكير أن حلف الناتو هو أضعف من ان يقوم بشن حرب على روسيا بالنظر الى ان ميزانية الحلف تأتي بشكل مباشر من مساهمة الولايات المتحدة الاميركية النقدية والتقنية المباشرة. اضف الى أن أي تحرك عسكري لحلف الناتو لا بد أن يكون مقترنا بإجماع من قبل كافة أعضاء الحلف–حيث أن دولة صغيرة مثل لاتفيا يمكن ان تعطل قرارا قد تجمع عليه جميع الدول الحلف. ناهيك عن ان تركيا وهي من أبرز المكونات ا?عسكرية لحلف الناتو لن تقوم بدعم اي قرار مواجهة مع روسيا. وعليه فان مواجهة عسكرية بين حلف الناتو وروسيا هي ضرب من ضروب الخيال. الا ان المثير في الامر هو ما ذهب اليه السيد زخاروف حول التننافس الإقتصادي القائم بين الصين وروسيا من جهة والولايات المتحدة الاميركية من جهة أخرى وامكانية تحول هذا التنافس لنشوب حرب – وهنا ومن المنطلق الواقعية السياسية ينبغي القول بان التنافس الاقتصادي القائم بين هذه الاطراف منذ عقود يمكن ان يشهد تفاقما كبيرا لكنه من غير الممكن ان يسفر عن حرب نووية.

ختاما ولمن يظن ويعتقد أن مواجهة نووية بين روسيا والولايات المتحدة الاميركية قد تكون ماثلة للعيان نقول إن هذا الامر مستبعد تماما، ذلك لأن النهج التقليدي للمواجهة بين الدول العظمى لم تكن بشكل مباشر بل من خلال وكلاء. وقد اثبتت العقود الماضية ابتداء من مرحلة الحرب الباردة مرورا بكوبا وصربيا والقرم – اثبتت أن المواجهة بين الكبار مستبعدة. اذ ان القوى العظمى قد تندمج بمواجهة غير مباشرة عبر الوكلاء حتى ان ادى ذلك لخسارة كافة الوكلاء على الارض – ذلك بان الحفاظ على المصالح المشتركة بين الكبار هو الاولوية وهو ما تقتض?ه اساسيات العمل السياسي.

أمين عام المعهد العربي لدراسات الأمن

director@acsis.org