الدكتور عامر أحمد العورتاني

أخصائي علم الاجتماع


في الثاني من آذار من عام 2020 كان الإعلان عن ظهور أول إصابة بفيروس كوفيد - 19، في خبر صادم للمجتمع الأردني، حيث كانت أنباء الفيروس تتخلل نشرات الأخبار عبر الفضائيات، ناهيك عن الكمّ الهائل من الشائعات والمعلومات المُضللة على صفحات تطبيقات التواصل الاجتماعي، إلى هنا والمجتمع ما بين مُصدق مترقِب، أو مُعتقد بوجود مؤامرة وجدت طريقها للسيطرة على العالم عبر تصنيع فيروس قاتل في أحد المختبرات، أو آخر مُكذِب للقصة برمتها، وجُلّ همه لقمة العيش في ظلّ وضع اقتصادي قلِق، وفي وسط تصاعد نسب تفشي الفيروس في دول العالم المُ?حضر، وتكشف الكثير من مظاهر الضعف في الأنظمة الصحية للكثير من دوله، كان بعض القلق يتسلل إلى نفوس نسبة من المواطنين محلياً، لتُعلن خلية إدارة الأزمة أول وأقسى إجراءات العزل الذاتي بإعلان الإغلاق الشامل في منتصف آذار، في خطوة استباقية قبل أن تخرج الأمور عن السيطرة، ليدخل المجتمع تجربة هي الأولى من نوعها، والكورونا هي الكلمة الأكثر تردداً في الحوارات، والمكالمات، والندوات، والأحاديث اليومية حتى بين الأطفال، ومع تتبع التفاصيل في نشرة اللجنة المُكلفة بإدارة ملف كورونا، كانت الأرقام التي لم تتجاوز أصابع اليدين في?أعداد الإصابات كفيلةً بإثارة القلق، وتحفيز مباعث التوتر لدى الأفراد، وكانت المرة الأولى التي يختبر فيها الأردنيون مفهوم الحجر المنزلي، الذي تخلله ظهور بعض ممارسات التواصل عن بُعد بين الناس، وبدأت مفاهيم كالتباعد الاجتماعي، والتعقيم، والكمامة تطفو على مشهد الجائحة، وكان تأمين الاحتياجات اليومية من متطلبات الحياة همّ المواطنين الأول، ومع العودة الحذِرة لبعض مظاهر الحياة تدريجياً في نيسان، كان الحظر بموجب تفعيل قانون الدفاع مرافقاً للإجراءات الضابطة، وفرق التقصي الوبائي تعمل دون توقف لتتبع الإصابات والمخالطين? ورسائل الإعلام لا تتوقف عن التأكيد على ضرورة الالتزام بارتداء الكمامة، وحفظ مسافة الأمان بين الأفراد، ومختبرات كُبرى الشركات الطبية في العالم في سباق نحو تصنيع اللقاح المضاد للسلالة المستجدة من الفيروس التاجيّ، ومحاولة فكّ لغز الجائحة الأولى منذ وباء الإنفلونزا 1918، وخلال ذلك كان المجتمع في الأردن – وكغيره من المجتمعات–يُواجه تحدياً لا يقل شراسة عن الوباء، في ساحة اقتصادية تمكن الفيروس من التأثير على معظم أركانها عبر تدابير الحظر والإغلاق الاضطراريين، إضافة إلى قضية التعلّم عن بُعد، التي أضافت إلى المجتم? تحدياً مُثيراً للكثير من القضايا المؤرقة، وفي الأثناء تحولت بعض شخصيات إدارة الأزمة إلى رموز شعبية، وبدأت بعض المفاهيم تترسخ لدى نسبة من الأفراد، في حين كانت نسبة أخرى لا تزال في طور إنكار وجود المشكلة، وتتعامل معها ببعض التكذيب، والإهمال على مستوى إجراءات الوقاية، في الوقت الذي اتخذ فيه آخرون من عناصر المشهد مادة للسخرية والفكاهة، لكنّ المؤكد أنّ الكورونا والنشرة اليومية للمركز الوطني لإدارة الأزمات؛ كانت محط اهتمام كبير، لتبدأ عودة فرِحة بحذر للحياة على طبيعتها جزئياً ضمن إجراءات السلامة، وبدأت ثمار تلك الإجراءات تُؤتي أُكلها مع نسبة الصفر في الإصابات في بعض الأيام، في موقف وضع الأردن في بؤرة اهتمام مختلف وسائل الإعلام، ورفع مستوى الثقة بآليات إدارة الأزمة، وفي الأثناء أيضاً كانت الجائحة قد غيّرت الكثير من ملامح الخريطة الاجتماعية، فتطبيق تعليمات التباعد، والحرص على سلامة كبار السن، والإيمان بإمكانية التغلب على الوباء، جميعها دفعت إل? تغيّر الكثير من سلوكيات التجمّع في مناسبات الفرح، أو العزاء، أو الصلاة، إضافة إلى ظهور العديد من المبادرات الفردية والوطنية المتوجهة في جهدها نحو تخفيف عبء الأزمة الاقتصادي والنفسي عن كاهل الكثير من المتضررين، وفي الأثناء كان الترقب يُغلّف الشعور العام، وكلّ الرجاء باتساع دائرة الأمل بتوقف التآكل الذي بدأ بالإتيان على الكثير من الوظائف، وبعض قطاعات النشاط الاقتصادي، إلّا أنّ تلك العودة كشفت أيضاً عن بعض السلوكيات غير المسؤولة في مدى الالتزام بتعليمات الوقاية، والتي كانت تنم عن جهل علمي غير مُسوّغ بحقيقة المرض أحياناً، أو التصميم على بعض اللامبالاة في الته?ب من مسؤولية الموقف، وفي الحالتين كان الثمن غالياً مع بدء الموجة الثانية من أطوار الفيروس، التي نقلت المشهد إلى بُعد مثير للخوف والقلق، وقائمة الإصابات تتمدد نحو الزيادة، وأعداد الوفيات كذلك، لا سيّما وأنّ الخسائر طالت خطّ الدفاع الأول من طواقم الأطباء والممرضين، وفي محاولة لضخ الأكسجين في رئة الاقتصاد المُنهك، كان خيار العودة للإغلاق مُستبعداً تماماً، ليبقى الالتزام بتعليمات أوامر الدفاع الرامية لحفظ سلامة المواطنين الخيار الوحيد، لكنّ مظاهر التهرّب من المسؤولية الأخلاقية اتجاه أفراد المجتمع كان بادياً، و?دأت حالة من الفتور تطغى على الكثير من سلوكيات الأفراد، وردّ الفعل الذي حلّ عكس المُتأَمل، رغم الوصول لحالة التفشي المجتمعي بتصاعد أرقام الإصابات بشكل غير مسبوق في الأردن، في علاقة عكسية مخالفة لمنطق السلوك الإنساني، ومع انفراج مُعضلة اللُقاح المضاد للفيروس، وبدء عملية التلقيح،، كان الخطّ البياني آخذاً في الارتفاع فيما يتعلّق بأعداد الإصابات والوفيات، ونسب مخالفة تعليمات الوقاية كذلك، في حين أنه اتجه نحو الهبوط عند الحديث عن نسب الإقبال على التسجيل في منصة المطعوم الإلكترونية، أو مدى الالتزام بارتداء الكمام?، وحفظ مسافات التباعد الجسدي، الأمر الذي أعادنا لمربع الإرهاق النفسي والاقتصادي بتطبيق إجراء الحظر من مساء الخميس وحتى صباح السبت أسبوعياً مرة أخرى وحتى إشعار آخر، ما يُفسح المجال للمزيد من سيناريوهات الإجراءات المُرهقة مع اقتراب حلول شهر رمضان بخصوصيته الاجتماعية، وبخاصة مع هجوم الفيروس التاجي بسلالة بريطانية أكثر شراسة، وتركز معظم إصابات السلالة الجديدة في العاصمة عمّان.

وعند الحديث عن الخطّ الدرامي لمسار الأحداث، فإنّ كثيراً من مشاهد الجائحة كانت ولا شكّ فضفاضة وقابلة لإعادة الصياغة، لولا وجود بعض المؤثرات التي لم تقتصر على حبكة واحدة فقط، لتمتد الأحداث إلى العديد من البؤر الساخنة والمُثيرة، فمشهد النجاح في مواجهة المرض خلال الموجة الأولى، أعقبه مشهد كان كفيلاً بإدخال الحُزن إلى الكثير من البيوت الأردنية التي فقدت أحباباً إثر الإصابة بالكورونا المستجد خلال الموجة الثانية، ليتخلل المشهد بعض التخبط المرتبط بتضارب أنماط الإصابات والوفيات على مستوى العالم كلّه، ليأتي القرار ب?لحظر الأسبوعي بمشهد مؤلم والمواطنون يتدافعون على الأسواق والمخابز لتأمين احتياجاتهم قبل بدء ساعات الحظر؛ دون مراعاة النسبة الأكبر لإجراءات الوقاية من تفشي العدوى، وهي ذات الحالة المُهيِئة لإيجاد بيئة مُسرِّعة لانتشار الفيروس، وكأنّ دائرة من التكرار باتت تدور بدراما الأحداث، وبقوّة طرد مركزية أخرجت النص عن سياقه المُتوقع، مما يعني أنّ مسلسل الكورونا سيمتدّ إلى المزيد من الحلقات، آخذاً بنهاية القصة إلى خاتمة مفتوحة تتقبل كلّ الاحتمالات، وما يدعو للمرارة أنّ كثيراً من صفحات الفيس بوك تحولت إلى بيوت عزاء يتباد? الناس عبرها المواساة بوفاة أحبابهم بالفيروس اللعين، في حين بقي بعضها شاهداً على قبور أصحابها بعد أن غيبهم الوباء، لينقل الكثير منها بعضاً من التجارب والقصص التي تروي حقيقة ما يعانيه مريض الكورونا، وأصحابها ينقلون صورهم من داخل غرف الإنعاش، وأجهزة التنفس الاصطناعي تُلثم وجوههم المُنهكة؛ وأصواتهم المتقطعة تبعث الرجاءات بدعوات الشفاء والالتزام بإجراءات الوقاية، وعلى الطرف الآخر من القصة أفواه جائعة بانتظار رغيف الخبز، لا تجرؤ حتى على الحُلُم بملابس العيد، وقد فقد المُعيل وظيفته، أو أنه مُهدد بذلك إذا ما استم? السيناريو بالسير على ذات الوتيرة، ذات السيناريو الذي انعطف بمستقبل الكثير من الخريجين في واقع مأزوم، ووضع مستقبل جيل كامل من الطلبة على مِحكّ مؤلم، كلّ ذلك ولا زالت مظاهر اللامبالاة بإجراءات الوقاية تطغى على كثير من ممارسات الأفراد، إضافة إلى كون المشهد يدفع باتجاه عدد من التساؤلات المشروعة حول حقيقة الأسباب التي جنحت بالحالة الوبائية إلى هذه الدرجة من التعقيد، والزيادة في أعداد الإصابات؛ التي إذا ما قورنت بعدد السكان فإنها تمثل حالة تستدعي الوقوف، والتدقيق في التفاصيل والعالم يواجه الموجة الثالثة من الجا?حة، والموقف في حقيقته لم يعد يحتمل مزيداً من الخسائر، فكما أنّ إغلاق المنشآت الاقتصادية، وفقدان الكثير من الوظائف يمثل خطراً على الاقتصاد الوطني، فإنّ فقدان الأحبّة من أرباب الأسر، والعاملين في مختلف القطاعات الطبية والأكاديمية وغيرها من مفاصل الحياة، يُعتبر أيضاً خسارة في مقدرات الوطن وثروته البشرية.

ما العمل؟

من الواضح أنّ الرسالة الإعلامية باتت تتطلب العزف بلطف على أوتار مشاعر المُتلقين قبل عقولهم؛ لإثارة ردود فعل أكثر استجابة لإجراءات السلامة والوقاية من العدوى، كما أنّ الجهات المعنية بالتعامل مع ملف كورونا؛ أصبحت أكثر حاجة إلى كسب المزيد من ثقة المواطنين، واستقطاب إيمانهم بضرورة توحيد الجهود الهادفة إلى القضاء على الفيروس، وليس مجرد كبح جماحه، وذلك بالتأكيد على أنّ فريق إدارة الأزمة يتكوّن من 10 ملايين مواطن ومُقيم على أرض الوطن، وهم مطالبون برفع سوية المعرفة العلمية بكلّ ما يتعلّق بالفيروس ومستجداته، وتفنيد?ما دار ويدور حوله، وحول اللقاحات المضادة من شائعات ومعلومات مغلوطة، ليكون الفريق الاقتصادي في خلية إدارة الأزمة، بمثابة النحل الذي لا يكفّ عن البحث في السبُل الكفيلة بإيجاد المخارج المُتاحة من تعقيدات الموقف الاقتصادية، وابتكار الحلول الواقعية لملفات الفقر والبطالة وتدني مستوى الدخول، والشروع في تنفيذ آليات دعم المشاريع المتوسطة والصغيرة والمتناهية في الصغر، وتبقى الحاجة الأكثر إلحاحاً في ظلّ الواقع المتأزم عالمياً؛ هي إجراء الدراسات العلمية المسحية، للوقوف على مفردات الجائحة، من حيث أعداد الإصابات، وأنماط?ا، ونسب الالتزام بإجراءات الوقاية، وتأثيراتها على الوضع الاقتصادي، ومُخرجات التعليم، وآثارها النفسية والاجتماعية والثقافية، وما رافقها من تداعيات في حالات الانتحار أو الجريمة أو العنف بأنواعه، وغيرها من المواقف والقضايا التي يُمكن الاستفادة من نتائجها؛ في بناء قاعدة البيانات اللازمة لإعداد خطط صحية، اجتماعية، اقتصادية، ثقافية، ونفسية؛ يُمكن أن تشكّل خريطة طريق لمواجهة ما قد يطرأ مستقبلاً من أزمات أياً كان مصدرها، للعودة على التأكيد بما يُؤكَّد عليه مراراً وتكراراً من أهمية ترسيخ المنظومة القيمية لدى النشء،?فهي أولاً وآخراً المفتاح الرئيس لنجاح المواجهة مع المواقف الطارئة.

Dr.Amer.Awartani@Gmail.Com