لا يتوقف الأمر عند حدود إطاره الشكلي فيما له علاقة باستقالة وزيري الداخلية والعدل يوم أمس وخروجهما من حكومة الدكتور بشر الخصاونة على أثر مخالفتهما لأمر الدفاع الذي شاركا في صياغته أو على أقل تقدير في إقراره وإنفاذه على عامة الناس، وهما مع خالص المودة والتقدير لهما من نواح شخصية واعتراف بدورهما في خدمة الوطن والقيادة الهاشمية بانتماء واخلاص كان عليهما أن يراعيا حيثيات القانون الذي سنته الحكومة في وقت كشفت فيه كورونا عن أنياب جديدة وراحت تحصد الأخضر واليابس وأصبح من حق الحكومة أن تقرر ما تشاء لحماية صحة الناس والمحافظة على مكتسبات الوطن.

لم يتردد الرئيس الخصاونة بالطلب إلى الوزيرين تقديم استقالتيهما فور سماعه مخالفتهما لأمر الدفاع، وليست تلك هي المرة الأولى وفي الذاكرة استقالة وزير الداخلية الأسبق عقب شهر واحد فقط على أدائه القسم في تشرين الأول الماضي، فالحكومة التي تقر قوانين الدفاع وتطلب من المواطنين التقيد بتعليماتها وتنشر أجهزة الأمن العام لمراعاة الالتزام بها وتقوم بتحرير المخالفات للمارّة من غير الملتزمين ببروتوكول الوقاية واتباع إجراءات السلامة العامة للحد من انتشار فيروس كورونا، ينبغي أن تكون هي أول من يلتزم كي تكون قدوة للناس في سلوكها، وهذا فحوى الرسالة التي قصد رئيس الحكومة الخصاونة أن تصل للمواطنين بأننا وإياكم على خطّ واحد ونعمل معًا ولا نقبل كحكومة أن نكون في وادٍ وأنتم في وادٍ آخر فكلنا شركاء في تحمل المسؤولية في هذا الظرف الدقيق من عمر بلدنا العزيز.

هي سيادة القانون إذن وتطبيقه على الجميع دون استثناء، فلا قيس عند الحكومة ولا يمن، والجميع سواء بسواء، ولو أن الأمر «عدّى» كيفما اتفق لاختل منسوب الثقة وتزعزعت قضية التزامي والتزام المواطن البسيط الذي كان سوف يتذرع ويحاجج الحكومة بمخالفة اثنين من كبار أعضائها دون أن يطبق عليهما القانون، فكان القرار الحكيم وحسنا فعل الرئيس الخصاونة الذي أعطى درسا صارما في عدم التهاون بإنفاذ القوانين التي يوقع عليها، وكان بذلك كما عهدنا به مثالاً للمواطن الأردني قبل أن يكون رئيساً للوزراء، ونموذج للمخلص وللضمير الوطني الحي النقي الرائد الذي يحفظ عن ظهر قلب حروف القسم الذي أؤتمن عليه بين يدي قائد الوطن.

هي سيادة القانون التي رسخها جلالة الملك في المشهد الأردني وضمنها خطاباته ورسائله وكتب التكليف السامي لحكوماته المتعاقبة، وكانت إحدى عناوين وموضوعات أوراقه النقاشية السبعة، وما المكاشفة والمصارحة التي يتحدث بها الملك في هذا الصدد مع رجالات الدولة ووجهاء العشائر وكتّاب الأعمدة في وسائل الإعلام، إلا تشخيصاً واقعياً لمشكلة تنخر بالمجتمع ويريد لها القائد أن تنتهي إلى غير رجعة، مستذكرين معا قوله السامي «إن إعلانات الولاء والتفاني للأردن تبقى مجرد نظرية في غياب الاحترام المطلق للقانون».

حسنا فعل الرئيس الخصاونة الذي لم يقبل بأي صورة من صور الخلل والقصور وعدم الالتزام، وهو مدرك تماما أن سيادة القانون نهج ملكي وبات مفهوماً ملحاً لتفادي الأضرار المتعددة على المجتمع والدولة في حال غيابه وعدم تكريسه.

Ahmad.h@yu.edu.jo