سنروي لكم قصصاً من تاريخنا الوطني الأردني المشرف بكل ما تحمله من دلالات وقيم إرثية للدولة الأردنية ومدى حرص رجالاتها على سيادة القانون وأحكامه، فالبيروقراط وقوة المؤسسة استطاع حمل الدولة على أكتافه وأنجز الكثير لصالح منظومة الاستقرار، وحقيقة علينا أن نعالج اختلال مفاهيمي محدد أصاب العمل العام الأردني وأدى لتحويله من فكرة الرسالة إلى مفهوم الامتياز واليوم ندعو كل المثقفين والمفكرين والكتاب لإعادة إحياء قيم وأخلاق الدولة والمجتمع ومراجعة طبيعة الخطاب الإعلامي الذي أنتج شكلا أو أكثر من تسطيح وتسخيف قضايانا الجوهرية وتصوير الدولة ومؤسساتها كحالة متهالكة في حين أن لدينا مؤسسات عميقة الرسوخ ولدينا عنصر بشري قادر على العطاء والإنجاز على الرغم مما يعتري المنظومة من تحديات وبجميع الاحوال تبقى هنالك حقيقة مفادها بوجود نماذج مشرفة تستدعي التركيز عليها لما تمثله من إيجابية وكجزء مليء من الكوب الذي يستدعي استظهاره من باب انصاف الذات الاردنية لا سيما أن جلد الذات بات يبتعد عن التقديرات الموضوعية لحالة البيروقراط ويختلط بالغرض السياسي ولا يخلو من البواعث الكيدية للحالة الوجودية للدولة ككل..

قبل أيام فقدنا شخصية أردنية وازنة وقامة قانونية كان لها بصماتها وإرثها ونموذجها، الاستاذ فاروق الكيلاني رحمه الله تعالى كمحام وكرئيس لمحكمة التمييز ورئيسا للمجلس القضائي بوصف القضاء سلطة سيادية دستورية له حكاية تعبر عن الجوهر الأردني استدعتها الذاكرة برحيله فعندما كان رئيسا لمحكمة بداية عمان طلب الراحل الكبير الملك حسين طيب الله ثراه انتداب الكاتب العدل لمكان إقامته لتوقيع وكالة والمصادقة عليها حسب الأصول وبالفعل قرر استاذنا الكيلاني الموافقة على الطلب إلا أنه أبلغ الكاتب العدل بضرورة العودة إليه كرئيس للمحكمة فور عودته من القصر وبالفعل وقبل انجاز معاملة الملك ودفع الرسوم عاد الكاتب العدل لمكتب فاروق الكيلاني الذي قام بسؤاله فيما اذا قام الملك بالتوقيع أمامه! فأجاب الموظف بالنفي وأن المرافقين قاموا بإدخال الوكالة لعند الملك حسين ومن ثم أعادوها إليه موقعة فقام فاروق الكيلاني برفض المعاملة وتم إيقاف جميع الاجراءات لمخالفتها للقانون الذي يقرر حكما مفاده لزوم توقيع صاحب المعاملة أمام الكاتب العدل والتحقق من شخصيته وقال الكيلاني رحمه الله (الملك هو أحرص الناس على تطبيق القانون) فاضطر الديوان الملكي إلى إعادة معاملة الوكالة من نقطة الصفر وإبلاغ الملك بلزوم التوقيع أمام الكاتب العدل وهذا ما كان..

لنستدعي قصة أخرى عن القاضي بادي الجراح رحمه الله تعالى ففي معرض كتابته لقرار حكم يوما ما استوقفته عبارة معينة بأحد العقود يتوسطها حرف (الواو) وتأملها كثيرا فيما اذا كان الحرف بمعنى العطف أو التخيير فاستدعى خبيرا باللغة العربية ليحسم المعنى وما يفيده الحرف لغايات الحكم..

لنستدعي الآن قصصا أخرى مما يزخر به قضاؤنا الاردني الكبير ولكن للأحياء وممن لا يزالون على رأس عملهم لذلك سنكتم الاسم المعني بالقصة لما نستشعره من حرج، هذه المرة في ميدان الصحافة وحرية التعبير فالقضاء النظامي هو قضاء نصي بطبيعته يختلف عن الإداري الإنشائي الذي يقرر فيما يبتدعه نهجا في الحكم، وعليه فليس من السهولة أن يتوسع القاضي النظامي في تفسير ومعالجة النصوص ومع ذلك فلقد أصدر أحد قضاتنا الأجلاء حكما نوعيا في الغرفة المتخصصة بالمطبوعات والنشر وقام بتطويع النصوص اجتهاديا لصالح الحريات الصحفية وبطريقة إنشائية لمبدأ سارت عليه المحاكم وانتصر فيه القضاء لحق الصحافة بالنشر دون معقب في القضايا العامة بمواجهة السلطة التنفيذية ولدى زيارتي لهذا القاضي المميز الفذ وشكره على قراره النوعي الذي يقع في إطار التقاضي الاستراتيجي قال لي بالحرف (لا بد أن يعلم الناس أن لديهم قضاء يمكن أن ينصفهم ويحميهم من تعسف السلطة العامة)..

هنالك عشرات المواقف لا بل ومئات القصص التي يمكن ان نرويها وإنما أردنا أن نشير لعدة مفردات مهمة حول قيمة البيروقراط واهمية فكرة الرسالة وضرورة وقف ضخ ثقافات الامتياز وأن لدينا بواعث سياسية وكيدية وحتى شخصية في الهجوم على مؤسساتنا وبشكل غير منصف وغير موضوعي أبدا.. قليل من الايجابية سيكون مفيدا في بث روح الثقة بالدولة..