(2) الرقابة على أعمال المؤسسات العامة

جاء حديث الملك في المقابلة الصحفية مع وكالة الأنباء الأردنية بمناسبة مئوية الدولة واضحا وصريحا، وسأتناول مضامين حديث الملك في مجال الإصلاح الإداري، وفي المقال السابق تناولت تطوير الخدمات الحكومية وفق منهجية علمية قابلة للتطبيق، وفي هذا المقال سأتناول محور الرقابة على أعمال الإدارة العامة، حيث تحدث الملك عن هذا المحور بقوله: ولا بد من تعزيز الأدوات الرقابية في مؤسسات الدولة، لضمان أداء فاعل شفاف، يحترم التشريعات ويسير بوضوح نحو الأهداف.

الرقابة على عمل مؤسسات الدولة هي مطلب حيوي لضمان شرعية قرارات وأعمال الإدارة العامة، وللتأكّد من مشروعية القرارات والتصرفات الإدارية وحسن تنفيذها، وضمانة للحفاظ على حقوق الأفراد، وحسن سير المرافق العامة، وهناك أنواع رقابية تمارس على أعمال الإدارة الأردنية نعرضها مع بيان فرص التحسين اللازمة والتي تستجيب للتوجيهات الملكية لضمان أداء فاعل وشفاف.

حسب الدستور الأردني، هناك رقابة سياسية تمارسها السلطة التشريعية على عمل الإدارة العامة وإجهزتها وجميع مؤسساتها؛ لأنّ القرار الإداري يجب أن يُتخذ وفق الإجراءات التي يحددها القانون للحفاظ على عمل المؤسسات العامة وحمايتها مع مراعاة حقوق ومصالح المواطنين، والبرلمان له الحق في توجيه أسئلة لأي وزير عن وزارته أو طرحها أو التحقيق فيها وتحميلها المسؤولية من خلال حجب الثقة عن الحكومة أو أحد وزرائها.

يعتبر ديوان المحاسبة ذراع السلطة التشريعية في مراقبة إيرادات ونفقات الدولة وطرق صرفها، ومن بين أهدافه المحافظة على المال العام والتأكد من سلامة استخدامه وإدارته بصورة قانونية وفاعلة، ومحاربة كافة أشكال الفساد المالي والإداري، وكذلك التنبيه إلى أوجه النقص في التشريعات المالية أو الإدارية المعمول بها، واقتراح وسائل معالجتها كما يهدف إلى التثبت من أن القرارات والإجراءات الإدارية تتم وفقا للتشريعات النافذة.، إضافة إلى المساهمة في تعزيز مبادئ المشروعية والشفافية والمساواة في القرار الإداري الذي يتخذ داخل الإدارات الحكومية.

وعلى الرغم من أهمية ديوان المحاسبة في تعزيز الرقابة التشريعية على أعمال الإدارة العامة؛ إلا أن هناك ضرورة لتعديل قانون الديوان لتمكينه من ممارسة أعماله بشكل يضمن الفصل بين السلطات، ولعل من أهم هذه التعديلات نقل صلاحية تعيين رئيس ديوان المحاسبة من مجلس الوزراء لتصبح من الملك بناء على تنسيب من مجلس النواب؛ مع ضرورة منح رئيس الديوان ومن يلزم صفة الضابطة العدلية وإنشاء محكمة خاصة للديوان، وتطوير هيكله التنظيمي ليتكون من أمين عام ومديرين عامين أحدهما للرقابة المالية والآخر للإدارية والألكترونية؛ وبذلك نضمن جهازا رقابيا فاعلا سيكون من أفضل الأجهزة على المستوى العالمي.

والنوع الآخر من الرقابة؛ رقابة السلطة التنفيذية على أعمالها "الرقابة الإدارية" وهي “الأنشطة التي تقوم بها الإدارة لمتابعة تنفيذ السياسة الدائمة وتقييمها والسعي لتصحيح أي نقاط ضعف قد تضر بها من أجل تحقيق الأهداف المرجوة، والتساؤل: هل تمتلك الإدارة الأردنية أدوات رقابة إدارية فاعلة؛ وفي حال عدم ملاءمتها أو كفايتها ماهي فرص التحسين الممكنة والتي يمكن الأخذ بها لتحقيق الرؤى الملكية في هذا الجانب؟.

خلطت الحكومات السابقة مابين مفهومي الرقابة السياسية والرقابة الإدارية، فقد كان في الدولة ديوان للرقابة الإدارية؛ كان الأصل أن يمارس وظيفة الرقابة الإدارية، إلى أن تم إلغاء الديوان وأنيطت مهامه بديوان المحاسبة؛ وهذا خطأ فني وقعت فيه الحكومة آنذاك، حيث أن الأصل أن يتولى ديوان المحاسبة وظيفة الرقابة الإدارية بصفته ذراعا للسلطة التشريعية، وهذا لايعفي السلطة التنفيذية من ممارسة الرقابة الإدارية على أنشطتها وقراراتها وإجراءاتها.

بعض الممارسات الفضلى في العالم، تجد أن السلطة التنفيذية تمارس رقابتها الإدارية من خلال وظيفة "المفتش العام" والبعض منها يمارس هذا النوع الرقابي من خلال جهاز إداري متخصص يرتبط برئيس الدولة أو رئيس الوزراء تبعا لطبيعة النظام السياسي السائد، وأعتقد جازما أن الملك وبصفته رئيس الدولة استشعر هذا القصور الرقابي في الجهاز الحكومي الأمر الذي دفعه للقول: "ولا بد من تعزيز الأدوات الرقابية في مؤسسات الدولة"، والسؤال كيف ستستجيب الحكومة لهذا التوجيه الملكي الملزم؟.

من خبرتي المتواضعة في الإدارة العامة؛ لا أرى أن الحكومة بحاجة إلى استحداث هيئات جديدة، ولكن الأمر يتطلب تمكين ديوان الخدمة المدنية من ممارسة وظيفة الرقابة الإدارية ومهام المفتش العام في الدول المتقدمة، لكن هذا لايمكن أن يتم بموجب نظام الخدمة المدنية "المتهالك" فالأمر يستدعي إصدار قانون للخدمة المدنية ينشأ بموجبه الديوان ويمنح صلاحيات رقابية واسعة ويمنح رئيسه ومن يلزم من موظفيه صفة الضابطة العدلية، وتتحول مهامه للتخطيط والرقابة بدلا من إنهاكه بطلبات التوظيف والأعمال الروتينية التي يقترح نقلها لوحدات الموارد البشرية في الدوائر وفق سياسة وطنية للتوظيف وإدارة الموارد البشرية تنفذها هذه الوحدات تحت رقابة الديوان.

أما النوع الثالث من الرقابة؛ فهي الرقابة القضائية وهي إحدى الضوابط الأكثر شيوعًا التي تضمن حقوق وحريات الفرد؛ لأنّ لكل فرد حق الطعن في قرارات الإدارة إذا تم المساس بحقوقهم ويعتبر القضاء المرجع الفعلي والملجأ الذي تلجأ إليه الإدارة والأفراد لضمان احترام مبدأ الشرعية، وكوني غير مختص بهذا الجانب، يمكن الإستعانة بخبراء القانون الإداري لتعزيز أدوات الرقابة القضائية على أعمال الإدارة، لكن من المنظور الإداري من الأهمية بمكان أن تستخدم أدوات إدارية حديثة لتسريع عملية التقاضي وتخفيض رسوم المحاكم الإدارية الى الحد الذي يستطيع معه كل متضرر اللجوء للقضاء بسهولة ويسر، وأن تكون مخرجات المحاكم الإدارية وقراراتها مدخلات لعمل الأجهزة الرقابية بحيث يتم مساءلة الجهة أو المؤسسة التي صدر قرار المحكمة بحقها أو أدارتها، فالقضية ليست حقوق للموظف بقدر انها كاشفة عن فساد إداري اومالي أوخطأ اداري.

وفي الختام لاننسى أهمية تفعيل أدوات رقابة السلطة الرابعة، ذلك أن الإعلام الوطني يحتل مكانه هامة في تعزيز الرقابة على أعمال وقرارات الحكومة ومؤسساتها المختلفة ومساندة سلطات الدولة الأخرى في هذا الجانب الأمر الذي يرسخ مبادئ الشفافية والمساءلة على المستوى الوطني.

*امين عام وزارة تطوير القطاع العام سابقا

abdqudah@gmail.com