سكينة خليل الرفوع

(كاتبة أردنية)


لم تكن يوما غامضة إلى الحد الذي يسمح له بأن يباغتها باختبار قاسٍ جدا، ليتأكد من اهتمامها به، وهي التي اعتادت أن تثبت ذلك بطريقة ما، لكنه لم يدركها، فكم مرة قرأت رواياته، وأبدت فيها آراءها بصورة دقيقة وصادقة، وقد أثبتت له في كل مرة أنها مستعدة لأن تقرأ كل رواياته، وتعبّر عن رأيها سواء كانت السعادة تغمرها، أم كان الحزن يغطي عينيها.. فلا بهجة تغنيها عن كلماته ولا ضجرٌ يبعدها عنه.

كانت تقول لنفسها: "كلماته تتخطى الزمان والمكان، وتقتحم عالمي عنوة، وتحملني لعالم السعادة".

كثيرا ما كانت تحلّق عاليا عندما يستثيرها موقف بطل من أبطال رواية له، أو تستوقفها عبارة جميلة تهيم بها، تتذوقها فتحلّلها، لتعيش الحالة التي كان عليها أحد شخوص رواياته، وهو الذي منح أجمل أوقاته ليكون برفقتها، يصغي إليها بكل شغف، كانت تقرأ لمعة عينيه وهي تغوص في أعماق نصّ له استثارها عنوانه، أو فكرته.. وهي لا تنكر أنّ للهفته العفوية عندما تسترسل بحديثها سحراً.. ينظر إليها فيتأملها وهي تهمس مفتتنة بمقطع ما، أو ترفع نبرة صوتها قليلا عندما يشتعل فتيل النقاش بينهما.. هذا ما جذبها إليه، فقد كانت تشعر باللذة التي يستشعرها حينما يصغي إليها باهتمام وهي تنغمس في حديثها عن كتاباته، فيحاورها وهي سعيدة تنثر كلماتها كياسمينة تبثّ رذاذ عطرها في أرجاء المكان (هكذا وصفها ذات مرة).. هذه اللهفة كانت تدهشها، وقد عشقتها فيه، فتراه طفلا وجد لعبته المفضّلة بعد طول انتظار.. وبالنسبة لها، كانت سرّا يلهمها أكثر، لتقرأ، وتكتب، فتستعذب جمال كلماته، وتنتشي طرباً لوقع أثرها في نفسها.

كم مرة بكت أمام نهاية غير متوقعة لروايةٍ اتفقا معا على خاتمتها، ولكنه يرواغ، فيعيد تشكليها كما يريد، لمجرد أن يفاجئها، لأنه يعشق أن يباغتها، ليسرق منها وقتا مطولا يكون فيه معها.. كانت تعشق فراسةً طفولية وجدتها فيه، حينما يبتدع طريقةً لإثارة حديث تحبه وهو لا يراه مثيرا، كان ذلك مكشوفا بالنسبة لها، لكنها كانت تتقن أن يجد صداه في قلبها، فتنعكس ابتسامة قلبها على محياها بعد أن أشبعت فيه شعور المفاجأة، فترى لمعة ابتسامته في عينيه، التي تشي بحديث خفيّ، لتعلو الضحكات بعد ذلك..

ولكن ما هي إلا دقائق فقط، لتعود أسباب الخلاف بينهما مجددا، ليتفقا في النهاية على قناعة أن الاختلاف هو السحر في علاقتهما، وهو الجمال الذي يضمن ديمومتها، فهي القارئة القريبة من عقله وقلبه والتي لا يريد أن يفرط بها، لأنها تفهمه وتكشفه جيدا، وهو الكاتب الذي تجد فيه سرّ إلهامها، وقد اصطاد عقلها قبل أن يتمكن من قلبها..

ترى، كيف لها أن تجده مرة أخرى ولم يترك لها سوى اسمها وإمضائه على ورقة بيضاء احتفظت بها لتستنشقها، لأنها عدّتها إمضاءة لروحه التي تسكنها.. لم تعرف سرها، ولم تكن المحاولات قوية بما يكفي لأن تكشف عن سبب اختفائه المفاجئ.. فقد كان لديها أمل كبير أن تشرق كلماته التي كانت تنتظرها من جديد، ولكن الصدمة كانت قاسية وعنيفة عندما تيقنت أنها ليست مباغتة عفوية كما كان يفعل كلّ مرة، ليتأكد من اهتمامها به. بل كانت مباغتة حقيقية "متقنة" تركت في نفسها شرخا كبيرا.

الآن فقط أدركت أنها كانت تعشقه، وما كان شغفا وإلهاما بقدر ما كان عشقا، وها هو مع الوقت يكبر.. ويكبر بطول الانتظار.