دلندة الزغيدي

(كاتبة تونسية)


انكمشت مريم في كرسيّها المصنوع من جلد البقر الأصلي، غزت وجهها تجاعيد محفورة بعمق، ضاعت تفاصيل جسدها وسط ثوب زنقة القذافي (1)، ربطته بإحكام، فطوّق خصرها، لفّته حول جسدها المضمحلّ، وأسدلت طرفه على كتفها الأيسر، تدلّى عقد ذهبي سميك على صدرها، فمنحها إطلالة ملكيّة، أشعّ سمار وجهها، وبهت لون عينيها اللّوزيّتين بعدما امتدّت لهما يد الزّمن لتسرق بريقهما، داعبتها بدرية بلطف: "الله عليكِ يا شيخة، إيه الأُبّهة دي؟".

سايرت مريم صديقتها قائلة: "أيوا مانا (أمانجي ريناس) بحالها"، وأردفت بنبرة مهزوزة: "بدليل إنّو طلّقني من أول شهر، الله يجازي اللّي كان السّبب". قالت بدريّة: "انسي، معقولة لسّة ما نسيتيش!؟".

ردّت مريم: "انسى إيه ولّا إيه، ودي حاجة تتنسي؟ دي حشّتني حشّ، الله يسامحها".

أيقظت مريم ذكريات طفولتها من رفاتها، ارتعش كامل جسدها وضمّت ساقيها حتّى اصطكّت عظامها، ما زالت تفاصيل ذلك اليوم تحوم بين تجاعيد روحها، ما زالت تذكر يومَ عادت مع عائلتها لقضاء عطلة الصيف في بلدتها، أنعش عبقُ الشّرق روحها، وامتلأت برائحة جدّتها التي فاحت بطيب بخور معتّق، لا يمكن لأنفها الدّقيق أن تخطئها، أمسكت الجدّة وجه مريم بكلتا يديها وقالت لها بنبرة غريبة: "ما شاء الله بقيتي عروسة، لازم نفرح بيكي بقى".

خدشت أمّ مريم حماتها بنظرة مضطربة، وهزّت رأسها محاولة أن تمنعها من مواصلة الحديث، لكنّ الجدّة لم تعبأ بالتّلميح، وواصلت: "تعالي يا روح تيتا، أنا اشتريتلك فستان أبيض زيّك زي بنات عمّك".

سحبت أم مريم ابنتها بهدوء وقالت لها: "مريم، موش عاوزة تلعبي مع ريّان وغادة؟ روحي ها تحصّليهم برّا". ركضت مريم نحو صويحباتها اللاتي انتشرن في الحقول المترامية، حيث تشعّبت روافد النّيل كأنّها ثعابين، وانسابت مسايرةً التواءات المسارات في صعودها ونزولها، فروت الأرضَ وكستها جدائل خضراء، أرسلت شمسٌ مغروسة في الأفق، ملطّخة بالحمرة شعاعها، واخترقت الحشائش اليانعة، وتربّصت بها في محاولة يائسة لامتصاص طراوتها، انتشرت قطعان الضّأن في انسجام بالغ مع هدوء الحقول، لزمت عنيزةٌ رقيقة سمراء جوار أمّها، وما انفكّت تقفز برشاقة، وتلتصق بحنوّ بذراع والدتها، تهزّ أذنيها المتدلّيتين على وجهها الصّغير وكأنّها تستشفّ أمرا مرتقبا، فتغثو بصوت رقيق، ناعم، مرتعش، ثمّ تقفز قفزات متواترات، متناغمات مع خرير المياه النوّاحة.

اختلت أمّ علي بكنّتها: "إيه؟ قلتي إيه يا مرات ابني؟ موش ها تليّني دماغك بقى؟ البتّ كبرت وانتِ عمّال تأجّلي تأجّلي، خلّينا نخلص أمّال".

ردّت أمّ مريم: "قلبي موش مطاوعني يا حماتي".

"على إيه يا مرات ابني؟ لا هي أوّل بتْ ولا آخر بتْ، ما فيش أحسن من ها الأجازة، بنات عمّها كلّهم ها يعملو كده، طهارة يا بنتي طهارة، وبعدين البتّ ها تكبر وها تروح الجامعة، ويفضل بالك مشغول عليها. قصّري الشّر يا بنتي".

"ربّنا يسهّل يا حماتي".

في يوم شامس اشتدّ صهيده، دنت شمس تغلي منها الهامات، وهبّت ريح خفيفة حارّة كأنّها نفحة من فيح جهنّم، خرجت مريم كعادتها غير مبالية لتلعب، مريم لا تكترث لقيض الصّيف ولا لزمهرير الشّتاء، روح طليقة، فرحة، جامحة، وحبور رحب رحابة السّماء، وإذ بجدّتها تناديها.

ركضت مريم نحو جدّتها متراقصة ملوّحة بيديها في الهواء فاردةً ذراعيها، تكاد تطير كطيف تتلاعب به نسائم المرح.

قالت الجدّة: "مريم، انت كبرتي يا بنتي وبقيتي عروسة، لازم تتنظّفي يا بتّي".

قالت مريم وهي تقفز بخفّة وتهزّ كتفيها: "أخلّص لعب، أخلّص لعب، أرجوك تيتا".

مسكت الجدّة حفيدتها من ذراعيها وقالت: "تعالي يا ضنايا، بكرة ها تطيبي وها تلعبي براحتك".

دخلت مريم إلى الصّالة وإذ بعينيها تقع على امرأة فارعة الطول غليظة الأطراف، لم تفلح عباءتها السوداء في ستر قبح شحومها ولحومها المتراكمة، اجتثّ الرّعب قلب البُنيّة عندما وقعت عيناها على غادة وريّان مستلقيتين على السّرير وقد بسط الوهن سلطته عليهما، وسرق الذّهول اللّمعان من عينيهما، لم تُخفِ الأوراق النقديّة المرميّة على الغطاء الأبيض أثر الوصب، لم يقدر عقل مريم الصغير فكّ رموز الوضع، ولكن الرّعب افترسها عندما لمحت ضمائد ملوّثة بالدم، فأحسّت بدوار يعصف برأسها وكادت تسقط أرضا، استغلّت جدّتها حالة الذّعر.. صعد الدّم إلى رأس مريم وكست الحمرة وجهها وأحسّت أنّ خدودها ستنفجر من شدّة الخجل.

كاد بؤبؤا عينيها أن يخرجا عندما رأت أصابع المرأة الغليظة، ورأت وجه الغليضة يكبر ويكبر حتّى خالت أنّه سيبتلعها، عبثت الفوضى بكل حواسّها، وتشوّشت أفكارها، لم تستوعب قسوة جدّتها، ولم تجد إجابة على سؤال دقّ رأسها بشدّة: "كيف خوّلت لها نفسها أن تفعل بها هذا؟". قصّت المرأة الغليظة ما طاب لها، وكانت مريم تستغيث: "مامااااااااااااا"، فتورّمت عروق رقبتها حتّى كادت تنفجر، وما من مجيب، وكانت جدّتها لا تأبه لصياحها.. أحسّت مريم بأنّ روحها تفيض، بهت صوتها وبهت لونها، وبهت كلّ شيء فيها.

دخلت أمّ مريم الغرفة، همّت باحتضان ابنتها، فخدشتها مريم بنظرة كشفت عمق الجرح، جرح حفرَ اللّحم الحيّ حتّى بلغ منتهاه. بصوت مبحوح حانق، وهن، قالت لأمّها: "أنا بكرهك، واكره تيتا، واكرهكم كلُّكم".

نقّهت مريم جراحها، ركلت الحزن، وخرجت لتلعب مع بنات عمّها، ربطت الجدّة وشاحا على يد الطفلة وكلّما مرّ أحد بجوارها أمطرها بالتّبريكات، فيستفيق الجرح، ليثبتَ لها أنه غائر في ذاتها، وكانت هذه التبريكات نصل ينخر الجرح، فيدغدغ الألم، فتحسّ كأنّ قطع اللّحم تُبتر منها لتوّها، فيعاودها الألم.. تتمنّى لو تنشقّ الأرض لتبتلعها.. كرهت مريم أن ترى النّاس، فتوارت وراء النّباتات، فلمحت تلك العنيزة السّمراء وقد بُتر طرفُ إحدى قوائمها، وشاهدتها تعرج وقد آلمها الجرح لتلتحق بالقطيع، استغربت مريم من أنّ المعزاة لم تتخلّ عن ابنتها، إذ أبطأت السّير حتّى لا تتركها وحيدة، فتمتمت: "ليتني خُلقتُ عنيزة!".

(1) اسم ثوب تلبسه المرأة السودانية.

(2) ملكة كنداكة، زوجة الملك النوبي، حكمت مملكة كوش في الفترة 40-10 ق. م.، وأوّل من لبست الثوب السوداني.