آخر الأسبوع - وليد سليمان

وتزداد قافلة المشاهير من شعراء الوطن المحتل فلسطين الذين ترجلوا عن صهوات قصائدهم الجامحة بالحنين والجمال ومسلسلات الفرح المنتظر لشعب مقاوم لوجوه الشر والقهر.. تاركين وراءهم الندى والأمل والعيش لشعبهم المناضل حتى الساعة الأخيرة.. ساعة النصر والعودة.

وكان من آخرهم الشاعر الفلسطيني مريد برغوثي- الذي توفي في عمَّان أخيراً ودُفن فيها.

** ملاحظة: العِبارات والكلمات عند المربعات الصغيرة هي أقوال سابقة ترددت عل لسان الراحل مريد البرغوثي.

لقد حصلت على ليسانس من قسم اللغة الانجليزية وآدابها وفشلت فى العثور على جدار أعلق شهادتى عليه.. فكل عقدة يضعها الاحتلال يخترع لها اليأس الفلسطيني حلاًّ.

وكان البرغوثي قد غادر مدينته رام الله للدراسة في مصر قبل العام 1967..وبعد سنوات دراسته الأدب الانجليزي عندما أراد العودة لفلسطين ومسقط رأسه رام الله؛ كان الرفض من اللصوص أعداء الحياة الذين احتلوا باقي الأرض الفلسطينية بالسرقة والغدر ولم يخرجوا منها.

أقول لنفسي بعض الأوطان هكذا، الدخول إليه صعب، الخروج منه صعب، البقاء فيه صعب، وليس لك وطن سواه.

وهكذا أجبِرَ مريد البرغوثي ان يعيش منفياً عن أهله وأحبابه ودروب وطنه, الذي ظل يحلم به قريباً من قلبه وقصائده, كما كان صديقه رسام الكاريكاتير ناجي العلي.

الاحتلال الطويل استطاع أن يحولنا من أبناء فلسطين إلى أبناء فكرة فلسطين!.

وعاش البرغوثي في القاهرة وتعرف على زوجته المناضلة المصرية الروائية والناقدة «د. رضوى عاشور» الفلسطينية الهوى.. وقبل انجابهما ابنهما الشاعر الفذ «تميم البرغوثي» اضطرته الظروف السياسية ان يبتعد عن القاهرة الى بيروت ليعود سنوات ثم مرة أخرى الى المنافي والشتات العربي والاجنبي؛ حيث كان لا يكفيه شتاته عن أرضه الفلسطينية كذلك؛ حتى أنه كان يتساءل؟!

هل الوطن هو الدواء حقا لكل الأحزان؟ و هل المقيمون فيه أقل حزنا؟ لكن السمكة حتى وهي في شباك الصيادين تظل تحمل رائحة البحر!.

ومع كل آلامه وشوقه للوطن والناس وتراب وشجر وبحر أمه الأرض فقد خفف من لوعته بذهابه للقول:

إن من حق المنافي علينا أن نذكر لها بعض مفاتنها إن كنا نكره الكذب.. فبعض الأوطان هكذا: الدخول إليه صعب، الخروج منه صعب, البقاء فيه صعب, وليس لك وطن سواه.

وشِعر مريد البرغوثي كان متفرداً له نكهته الخاصة بالبساطة والقرب من الناس العاديين, وأشياء البيت والطريق وأحلام البراءة.. وله كلمة بسيطة وهي:

لم أكن ذات يوم مغرماً بالجدال النظري حول من له الحق في فلسطين.. فنحن لم نخسر فلسطين في مباراة للمنطق! لقد خسرناها بالإكراه وبالقوة.

كلمة المفكر إدوارد سعيد

ومن سيرة حياة مريد البرغوثي التي سردها هو بنفسه في روايته الشهيرة «رأيتُ رام الله» يُشير الناقد والمفكر العالمي «إدوارد سعيد» حولها بقوله:

هذا النص المحكم، المشحون بغنائية مكثفة، الذي يروي قصة العودة بعد سنوات النفي الطويلة الى رام الله في الضفة الغربية في سبتمبر1996؛ هو واحد من أرفع اشكال كتابة التجربة الوجودية للشتات الفلسطيني التي نمتلكها الآن.

انه كتاب مريد البرغوثي الشاعر الفلسطيني المرموق، والمتزوج كما يخبرنا في مواضع شتى في كتابه من رضوى عاشور الروائية والاكاديمية المصرية الممتازة، إذ كانا طالبين يدرسان اللغة الانجليزية وآدابها في جامعة القاهرة في الستينيات، وخلال زواجهما اضطرا للافتراق طوال سبعة عشر عاماً!!- ليعودا معاً بعد طول غياب-.

وعند صدور روايته «رأيت رام الله» عام 1997 واستقبالها بحفاوة عظيمة وواسعة شملت العالم العربي كله، نال الكتاب جائزة نجيب محفوظ للابداع الادبي التي تمنحها الجامعة الاميركية بالقاهرة.

أما وقد قمت بنفسي برحلة مشابهة–أي إدوارد سعيد–الى القدس (بعد غياب 45 سنة) فإنني اعرف تماماً هذا المزيج من المشاعر حيث تختلط السعادة، بالأسف، والحزن والدهشة والسخط والأحاسيس الأخرى التي تصاحب مثل هذه العودة.

ان عظمة وقوة كتاب مريد البرغوثي تكمن في انه يسجل بشكل دقيق موجع هذا المزيج العاطفي كاملاً.. وفي قدرته حينما تساءل: كم مكتبة كان يمكن ان تتأسس في رام الله!؟ وكم مسرحا؟! فالاحتلال أبقى القرية الفلسطينية على حالها وخَسَفَ مدننا الى قُرى.

اننا لا نبكي على طابون القرية بل على مكتبة المدينة.. ولا نريد استرداد الماضي.. بل استرداد المستقبل, ودفع الغد الى بعد غدهِ.

إنَّ اندفاع فلسطين في طرقات مستقبلها الطبيعي أُعِيق بفعل فاعل، كأن إسرائيل، تريد ان تجعل الجماعة الفلسطينية كلها ريفاً لمدينة اسرائيل.. بل انها تخطط لرد المدن العربية كلها الى ريف مؤبد للدولة العبرية.

ويواصل إدوارد كلامه: هل يُعقل ان اذهب الى الحِسبة- سوق الخضار- في رام الله، بعد غياب ثلاثين سنة فأجدها على حالها الذي كان رثاً منذ ثلاثين سنة!! وكأن الباعة لم يغيروا صناديقهم ولا ملابسهم ولا يافطات اسعارهم!! وهل يعقل ان أجد ارضيتها كما كانت تماماً، كسطح المستنقع لزجة، غامقة اللون، مغطاة بالبقايا والقشور والعفن الملون؟!.

وهل يُعقل ان أتأمل واجهات المباني المطلة على الشارع الرئيسي، فأجدها تكاد تشبه أرضية الحسبة؟!.

لم أذهب الى القدس ولا إلى تل ابيب والمدن الساحلية.. لكن الجميع يتحدثون عنها كقطعة من أوروبا في تنسيقها وخُضرتها ومصانعها ومنتجعاتها.

من قصائد البرغوثي نستذكر مثلاً تلك المقاطع:

صمتي يجادل صوتي

اسْتَيقِظْ كي تَحْلُم

فصمتي يجادل صوتي

وعيني تكذِّبُ أُذْني

أعيش اليقين لبعض ثوانٍ

وأهمس للشك خُذني

وأصدق حيناً وأخطئ حيناً

وقد أتناقض حتى الفضيحةِ

دون اعتذارٍ

وأسأل حتى تملَّ الإجاباتُ مِنيّ

وكل يقين يبارزني أتقيه بِظّنّي

وأنْبَتُّ عنهم وأغضبُ

ثم أعود وأنبت ثانيةً

بعد حينِ

فلسْتُ قَبيلةَ نفسي

وما زلت أعجبُ

كيف تكون القبيلة واثقةً هكذا

بينما كل فرد بها مرتبكْ!.

قالت ليَ الغيمة:

ليس صحيحاً انه

لا شَكْلَ لي

أنا مُغلَّقَةٌ فوق رؤوسِكم

بأشكالٍ تُشْبِهُكُمْ

الطفلُ يراني دُبَّاً

الحراثُ يراني مخدّة

الصحراوي يراني جَمَلاً

المُحقِّقُ يراني ورقة

محروقةَ الحواف

الجبانُ يراني نَعْجَة

الفلاح يراني بتلاتٍ وبراعم

البحرُ يراني جدَّته الأولى

وابنته الأخيرة.