«رسائل من الشاطئ الآخر».. مجموعة رسائل متبادلة بين الكاتب الصحفي المصري حسام عبد القادر والدكتورة دلال مقاري باوش مديرة معهد دراما بلا حدود في ألمانيا.. حول هموم وقضايا مشتركة تهم الوطن بمفهومه الشامل، وتعبر عن كثير من القضايا التي تؤرقنا نحو وطننا وتتحدث عن الغربة خارج الوطن وداخله، خاصة قضايا الهجرة والسفر والهروب عبر البحار والمحيطات لمستقبل غامض على أمل في غد أفضل. هذه الرسائل الأدبية تذكرنا بجنس أدبي افتقدناه كثيرا وهو أدب الرسائل أو فن الرسائل والذي يعد من الفنون الأدبية القديمة، وهو فن نثري جميل يظهر مقدرة الكاتب وموهبته الكتابية وروعة أساليبه البيانية القوية. والرسالة نص مكتوب نثرا، يبعث به صاحبه إلى شخص ما، كما تعتبر الرسالة الأدبيّة من أهم فنون السرديات؛ حيث تخاطب الغائب وتستدرجه عبر فنيتها ببلاغة الكلمة وقوتها.

الرسالة الثامنة والعشرون..

الإنسان حيوان له تاريخ

صديقتي العزيزة دلال

«الفرق بين الإنسان والحيوان هو أن الإنسان حيوان له تاريخ» لا أعرف لماذا أتذكر دائما هذه الجملة التي قرأتها للكاتب الكبير الراحل أحمد بهاء الدين في كتابه «أيام لها تاريخ».

ويشرح بهاء الدين جملته موضحا أن الفأر مثلا سيظل يقع في المصيدة ولن يتعلم الأجيال الجديدة من الفئران أن هذه مصيدة، بينما الإنسان يتعلم من تجارب الآخرين ويطور ما بدأه غيره ويبدأ من حيث انتهى الآخرون.

وكل فترة أتذكر هذه الجملة على مدار سنوات طويلة من عمري، وأذكر أني قرأت هذا الكتاب في المرحلة الثانوية، وقد أقوم بقراءته في الأيام القادمة قراءة جديدة، ولكن هذه الجملة ظلت عالقة في ذهني، حتى أني استخدمتها في امتحان من امتحانات الكلية عندما كتبت مقالا للإجابة على سؤال لم أكن أعرف إجابته من الكتاب المقرر، فقررت أن أجيب بطريقتي الخاصة على السؤال، والغريب أني نجحت وأحرزت تقديرا في هذه المادة.

وقد يكون هذا سببا في استمرار تعلقي بأحمد بهاء الدين وبجملته الشهيرة، ولكن رغم اقتناعي بالجملة إلا أنني أجد أنها غير معبرة عن الواقع حاليا، فمع الأسف التاريخ يعيد نفسه كثيرا، والإنسان لم يعد يتعلم من أخطائه، قد تكون الجملة تنطبق على الابتكارات والاختراعات العلمية، ولكن على المستوى الإنساني فحدثي ولا حرج، فنحن ما زلنا نقع في المصيدة مثلنا مثل الفأر تماما، ولا نتعلم من أخطاء الآخرين.

إن صراعات البشر في كل مكان ما زالت مستمرة كما هي وبنفس الآلية والأسلوب، والسعي نحو المال والنفوذ ما زال مستمرا، ومهما يحدث من خسائر بشرية فإن الإنسان يعيد ما بدأه من جديد، لتستمر حلقة الظلم تدور في فلك دون نهاية، ويظل المضطهد مضطهدا والمظلوم مظلوما، ويتصدر المشهد المفسدون في الأرض، وهكذا إلى أن يحدث أمر الله في موعد لا يعلمه إلا هو.

عندما أتابع ما يحدث من أخبار على مستوى العالم، أندهش من كم الصراعات الدائر في الكرة الأرضية، وكم البشر الذي يموت بفعل فاعل، وغيرهم أضعافا مضاعفة يتعرضون للقهر والظلم دون رادع، وهو ما يحدث من مئات السنين دون تغيير.

إن الكرة الأرضية برأيي تئن مما يفعله الإنسان بها، وتكاد تصرخ وتستغيث من هذا الكائن الغريب الذي يطلق عليه «إنسان» والذي حول الكرة الأرضية إلى قطعة من اللهب بسبب الصراع على النفوذ والثروة.

لا أشك أبدا أن الكرة الأرضية عندما تخرج الزلازل والبراكين إنما تعبر عن غضبها مما يفعله بها الإنسان، وعندما تبث فيروسا قاتلا إنما تعاقب به بني آدم، رغم أن حتى هذه العقوبات يذهب معها أبرياء، ولكن هكذا هي الحياة لا يوجد بها عدل مطلق.

في انتظار ردك بكل شغف

حسام عبد القادر

يسعد أوقاتك كابتن حسام

توقفت طويلا في محطة رسالتك، أنتظر قطار أفكاري لأصعد فيه، في العربة الأولى تماما! لأكون قريبة منك ومن الرد على رسالتك.

لكن القطار لم يأت، ربما بسبب العواصف الثلجية هذه الأيام، التي قطعت كل الطرق! ما إضطرني أن أشعل كل أعواد الثقاب (كقصة بائعة الكبريت) الشهيرة، لأرى في كل شعلة، حلم، وأمل، وضوء، وفكرة، ودفء، وإجابات عن كل تساؤلاتك التي تقرع جدران الخزان.

أحتمي بالحكايا، وأعواد الثقاب الأخيرة في جيوب عمري

للحكايا منطق آخر، عجيب، وأعواد ثقاب سحرية، تحرك الأحداث والشخوص إلى مصائرها، لذلك لا أخفيك سرا، بأنني تعلمت مبكرا الهروب إلى عالم الحكايا كلما فاتني قطار الحياة المزدحم، أو كلما تأخر المجيء! فالحكاية وحدها تتيح لي فرصة أن أسلك منعطفات جديدة لأكتشف حقائق جديدة، تشتعل في وميض شعلة أعواد الثقاب الدافئة.

ثمة حكايا باردة وحارة، ملونة وظلمة في دفاتر الحياة.

كبائعة الكبريت، أتكئ على فكرة (الأرواح الطائرة المسافرة) وأطلق صافرة مبحوحة، إيذانا ببداية الرحلة، إبتسامة جافة، منسية علقت على أطراف ملامح وجه الحياة، أعيد لصقها على وجه بلا ملامح، ومهجور، أشعل لها عود ثقاب علها تضيء الوجه المهجور!

ألوّنها بفرشات ألوان الإستعارات، تتفتح براعمها بهدوء، وتشتعل أعواد الثقاب بلهيب دافئ الواحدة تلو الأخرى.

هكذا أواصل الحياة بدفئ الحكايا! أفتش في خرائط العالم عن طرق جديدة إلى بلاد الكلام وبلاد السلام.

جدران الحكايا دافئة، حانية برغم إرتفاعها، أتحسس تجاعيدها الأليفة، الغافية في إشتعال عود ثقاب.

كيف تتشكل الحروف الأولى في قصائد الصمت؟ وعلى أي ماء تتهادى؟

تتفتح ديار وعوالم وفضاءات، مليئة بالرؤى والتأملات، بهجة إكتشافي لنسيج الكلمات العنكبوتي، الشفاف المعقد، الحاذق، الإبتهاج الأول بالحياة، تتراكم الإيماءات كالزبد على وجه البحر، تعدّل مزاجي المسائي، أتأمل، وأحصي نجوم الكلام تحدق فيّ من أعلى أشجار الحكاية، يتلاشى الضوء، يحترق عود الثقاب، هل لايزال في جيوبي المزيد؟

كان ثمة حكاية مثقوبة كجيوب عمري، تهرب منها الحروف قبل أن يكتمل نصها المبتور، مشغولة على مهل على وجع، بأصابع سيدة الحكايا، ترتجف بظلها النحيل في وهج إشتعال عود ثقاب جديد.

كان ثمة صورة غفرت لصاحبها، غرزات مسامير كسرت أجنحتها قبل أن تعلق على جدار!.

عود الثقاب يتحول إلى رماد، من جاء يوقظ الحكايا في هالة الضوء؟ تتأرحج أحلامي المتبقية، وتحلق خفيفة كالنجوم.

هل ما يزال في جيوبي أعواد ثقاب؟

رسالتك حسام أشعلت لهيب الحكاية أمام عاصفة الثلج

دلال مقاري باوش