ابتعدت بوصلة السياسة الخارجية الأميركية عن الاتجاه الذي وضعها على طريقه الرئيس السابق دونالد ترمب، ولكنها لم تستطع أن تشكل بعد اتجاهاً خاصاً في العديد من القضايا، ومنها ملفات كثيرة تتعلق بالمنطقة العربية، وهو الأمر المفهوم في ظل انشغال الولايات المتحدة في مجموعة من التحديات الداخلية من أهمها تفاعلات فيروس كورونا ومراجعة عصر ترمب وتبعاته على المستوى الداخلي، وفي مثل هذه الظروف كان الصوت الأردني مطلوباً ليسجل حضوراً مهماً وفارقاً في أحد أهم المراكز الفكرية التي تؤدي دوراً مهماً في بناء تصورات أي إدارة أميركية تجاه القضايا الدولية، ومعهد بروكنجز يحتفظ بمكانة متقدمة ومؤثرة في صياغة أجندة أولويات الإدارة الأميركية على المستوى الدولي.

أتت كلمة جلالة الملك في ندوة المعهد «الشرق الأوسط والإدارة الأميركية الجديدة» لتقدم تشخيصاً جامعاً مانعاً لأسباب التأزم في المنطقة، مترافقاً بجملة من الحلول الواقعية والقابلة للتطبيق والاستمرار بصورة تعزز من فرص تحقيق الأمن والاستقرار لجميع الشعوب، وكان طبيعياً أن يؤشر جلالة الملك إلى التحديات الراهنة والمتمثلة في المخاطر الوبائية والحرب على الإرهاب والتطرف ليحدد أولويتهما في الحيلولة دون تفاقم المشكلات في المنطقة، ليعاود جلالته التأكيد على مركزية القضية الفلسطينية وعلى ضرورة إنهاء الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي على أساس حل الدولتين الذي يضمن قيام دولة فلسطينية ذات سيادة وقابلة للحياة على حدود الرابع من حزيران 1967، وهو المطلب الذي يمثل أحد الثوابت الوطنية الأردنية لأنه يشكل الحل المقبول والقابل للاستمرار لأنه يحافظ على حقوق الشعب الفلسطيني في حياة كريمة وآمنة وليس حلاً يحمل في داخله تناقضات كثيرة ويفتتح فصولاً جديدة من الصراع.

حدد الملك أسباب التوتر التي تجعل العنف تهديداً قائماً بصورة مستمرة، وأمام وسط نخبوي اكتفى جلالته بأن يذكر المشاركين في الندوة بالوصفة الجاهزة للخراب في المنطقة والمتمثلة في الاحتلال والظلم واليأس والتمييز العنصري، وقام الملك بتذكير المشاركين بأن هذه الوصفة لا يمكن أن تخرج برابحين، ولا يمكن أن تنتج سوى الخسارة والمعاناة للجميع.

كان جلالة الملك صريحاً ومباشراً وهو يخاطب جانباً مؤثراً من النخبة الأميركية بلفت نظر مؤسسة صناعة القرار الأميركية بمعناها الواسع إلى دور غياب العدالة في استمرار الصراع وتقويض فرص التقدم في المنطقة وفي العالم أيضاً، حيث تتمدد ملامح عدم العدالة في العديد من القضايا والملفات وهو ما يجعل العديد من الشعوب تشعر بإحباط عميق بما يشجع التطرف والعنف ويغلق الباب أمام المساعي المخلصة لتعاون بناء على مختلف المستويات الإقليمية والعالمية، وهو الدور الذي تسعى المملكة إلى المساهمة الكبيرة في تعزيزه بوصفه خياراً عالمياً يجب تبنيه بمنتهى المسؤولية والحكمة كما أكد جلالته في خطابه الموجه إلى العديد من الأطراف القيادية على المستوى العالمي والتي ترى في الأردن نموذجاً لبلد يسعى لتحقيق السلام وصيانته ويحمل تصورات واقعية وممكنة لتحقيقه.