صحيح أن عودة حظر الجمعة لا يحظى بقبول واسع لدى الرأي العام الاردني، وهو قرار مرهق ومؤثر على صعيد الحركة التجارية والاجتماعية والاقتصادية، لكن الطرفين سواء الحكومة أو المواطنين، يتعاملون مع إعادة الحظر «كمن يتجرع السم» على أمل العودة إلى تخفيض عدد الإصابات إلى ما كانت عليه قبل أكثر من خمسة أسابيع.

اليوم لجأت الحكومة وانحازت بكل مسؤولية إلى الاعتبار الصحي وسلامة الناس، وقد لاحظ الجميع التردد واختلاف الاراء في اللجوء إلى الحظر مجددا، بين الأطراف صاحبة القرار، حتى أن الناس كانت تراهن على رفض توصية لجنة الأوبئة التي طلبت فرض حظر ليومين أسبوعيا، الجمعة والسبت، من قبل الفريق الحكومي الذي ناقش الخيارات الضيقة المتاحة لضمان عدم تفاقم الأوضاع الوقائية مجددا، خصوصا وأننا على أبواب مرحلة جديدة من انتشار المرض.

الارقام تتحدث عن نفسها، بالمستشفيات الميدانية التي ارتفعت فيها نسبة الإشغال إلى نحو 25 بالمئة، إذ يرقد حاليا قرابة 223 حالة في غرف العزل بالمستشفى الميداني في عمان، وقد أعلنت إدارة المستشفى عن بدء تحويل الإصابات الجديدة إلى مستشفى الأمير حمزة، لعدم قدرتها على استيعاب حالات جديدة، كما أن الكوادر الطبية العاملة فيه تعمل بطاقة 70 بالمئة، وقد لحق بها الإرهاق والتعب بعد شهور طويلة من العمل المضني والشاق، عدا عن تزايد الإصابات والوفيات بين طواقم «الجيش الابيض» يوما بعد يوم.

قد لا يبرر كثيرون إعادة حظر الجمعة كونه غير مجد، لكن الأسباب التي دفعت للعودة لحظر الجمعة، الذي أوقفته الحكومة يوم 13 كانون الثاني الماضي، بعد تطبيقه لنحو عشرة شهور ومنذ ظهور الوباء في المملكة، هو تواصل ارتفاع نسبة الفحوصات الايجابية، التي وصلت إلى 13 بالمئة اخيرا، وزيادة عدد الحالات النشطة إلى 30 الف حالة، وبالتالي القلق الشديد من فقدان السيطرة على انتشار الوباء، وتراجع قدرة البنى التحتية الصحية من كوادر وأجهزة وأدوية على مواجهة التزايد الكبير والمتوقع في الإصابات، خصوصا وأننا مقبلون على شهر رمضان المبارك وبعده الأعياد، التي يتزايد فيها عادة التواصل الاجتماعي بين الأردنيين، وبالتالي خطورة تدهور الموقف الوبائي مجددا والعودة إلى مربع عشرات آلاف الإصابات من جديد /لا قدر الله/.

الوضع الوبائي للفيروس القاتل مر بمراحل متعرجة ما بين الصعود والهبوط، على مدى قرابة عام مضى، وهو فيروس متطور وقادر على التأقلم سريعا مع المضادات واللقاحات المكتشفة، ولا نذيع سرا إذا قيمنا الأوضاع في الأسابيع الماضية وحالة التراخي والارتياح الأقرب للاستهتار التي سادت بعد وصول اللقاحات المضادة إلى المملكة، وبدء تلقي المطاعيم، ولعل ما حدث في الجمعة التي تلت قرار رفع الحظر في منطقة وسط البلد، والجمعة التي تلت ذلك في البحر الميت، وتكدس المتنزهين وكأن الوباء انتهى إلى غير رجعة، دليل على انعدام المسؤولية والاستهتار بالموقف الوبائي، في وقت يعاني فيه آلاف المصابين في المستشفيات وعلى أجهزة التنفس وفي الحظر المنزلي والمؤسسي من ويلات الألم وعدم القدرة على التنفس والحركة والآلام التي لا يمكن وصفها.

إذن أمام هذه المعطيات والواقع المرعب وازدياد عدد الإصابات والوفيات بالفيروس، كانت الخيارات محدودة ومرة، ويدفع ثمنها الكثير من الناس في ارزاقهم وقوت عيالهم واعمالهم، ودائما الذي يدفع الثمن الأعلى هو الملتزم والحريص، والمستهتر لا يخشى شيئا لأنه غير متضرر والحظر من عدمه أمر سيان بالنسبة له، نتأمل أن لا يطول حظر الجمع، وأن يتنبه المواطنون بكافة فئاتهم وشرائحهم ويتعاضدون ويتكافلون بالالتزام الجاد والدائم بوسائل الحماية المتوفرة، وهي غير مرهقة ولا تكلف الكثير، ارتداء الكمامة والتباعد الجسدي والعزل الكامل للمصابين، وبغير ذلك سنعود إلى المعاناة والألم وفقدان مصادر أرزاقنا وأرزاق عيالنا، وهو ما لا يتمناه أحد.

Imad.mansour70@gmail.com