وكأنه الآن.. العام ١٩٨٥ أول لقائي بك، بعيونك المتقدة بالعزم والإصرار والصدق وحب العمل، فكنت الرجل الذي لا يقبل بأنصاف الحلول والذي يعني ما يقول فحمل كل يوم معك درسا وكل ساعة حكمة وكل دقيقة معلومة فكنت بعيد النظر ومُجيدا لوضع الاستراتيجيات البناءة وِفق خريطة طريق واضحة، مُوقنا بأن العمل المخلص هو مفتاح أبواب الإنجازات، وإن التفكير خارج الصندوق هو الضامن للإبداع فاستثمرت خبراتك الكبيرة وفق مصلحة الوطنِ فخلدك التاريخ في ذاكرة الوطن رجلاً من رجالاته وهامة من هاماته.

وكأنه الآن..

وأنت لا تسمح للساعة الثامنة صباحا بأن تدق قبل وصولك إلى مكتبك وتتابع أدق التفاصيل وتتدارس المعطيات والمتغيرات لتضمن دقة القرار، فاتسمت بسعة الصدر والحلم في التعامل والصبر على مواجهة التحديات، ولا أنسى توجيهك المباشر لي بحكم وظيفتي كمدير لمكتب مدير الأمنِ العام باعتماد سياسة الباب المفتوحِ أمامَ المواطن من جانب وأصحاب الأفكارِ الخلاقة من جانب آخر، وهنا تجلت شخصيتك الحقيقية التي آمنت بفتح الآفاق أمام الجميع وإدارة دولاب التقدم والتطوير فكنت القوي الأمين والمتواضع المتسلح بالعلم والقدرة العسكرية تملك الحكمة و?لحنكة في إدارة الأزمات.

وكأنه الآن..

وأنت تقود سلسلة من الإجراءات المفصلية في تاريخِ الأمن العام فتغيرت فكرة السجون إلى مراكز الإصلاح والتأهيل وفق حق الإنسان بالعودة عن الخطأ والتأهيلِ للانخراط والاندماجِ بالمجتمع بعد إنهاء فترة العقوبة، وعكفت على إدخال الحوسبة في مختلف الخدمات الأمنية، واستحداث القيادة والسيطرة ووحدة أمن (١٤) وغيره الكثير الكثير من توفير البنية التحتية والدعم اللوجستي الكبير وتوفير المعدات والآليات التي من شأنها تجويد الخدمات وتحقيق مصلحة الوطنِ والمواطنِ، فكنت من امتطى جواد العطاء والبذل لتسابق الزمانِ لتترك بَصمتك في كل مك?ن وقفت فيه.

وكأنه الآن..

كلماتك نظراتك تواضعك والسنوات التي مرت ونحن بالقرب منك، أذكرك يا باشا وأنت توصينا وتوصي مرتبات الأمن العام بالحرص على كرامة المواطنين، أذكرك يا باشا وأنت تحمل عيون الأب الحاني وأنت تقول لنا أنتم أبنائي، أذكرك في أدق التفاصيل في هيبتك في وقارك في عيونك الشامخة، لكن هي الدنيا يا باشا لا بد أن تحمل بين طياتها الفراق وها أنت قد ترجلت عن جوادك الجواد الذي سبق في جولة الرجولة والعسكرية والعلم والسياسة، فكنت الجامع للتميز والتفرد فلم تدخل مجالًا إلا وكنت به من أصحاب الريادة وما يُعزينا بك إلا بقاؤك بيننا بسيرتك ا?عطرة وإنجازاتِك الخالدة، هي الدنيا يا (أبا سهل) تجمعنا وتفرقنا ونحاول أن نسرق منها فتسرقنا، أوجعتنا برحيلِك وآلَمتَنا بفراقك لكن لا نقول إلا ما يرضي الله عز وجل (إنا لله وإنا إليه راجعون) إلى جنّةِ الخلد إلى رحمةِ الله يا أبا سهل.